فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 465

(الناس مجبولون على البخل)

وأما بعد فإن أكثر هذا الناس لقد جبلوا على البخل، فالبخل هو الأصل، وإنما الجود في سائر ألوانه، تكلُّفٌ وتعمُّلٌ وحَمْلٌ للنفس على مكروهها وعلى غير ما جُبلت عليه، وقد قيل لحاتم الطائي الذي يضرب به المثل في الجود: كيف تجد الجود في قلبك؟ فقال: إني لأجده كما يجده الناس، ولكني أحمل نفسي على خُططِ الكرام، وقال بعض الأجواد: إنّا لنجد كما يجد البخلاء ولكنّا نصبر ولا يصبرون. . . وفي هذا المعنى يقول البحتري:

وَأشَقُّ الأفْعالِ أَنْ تَهَبَ الأن ... فُسُ ما أُغْلِقتْ عليهِ الأكُفُّ

ويقول أبو يعقوب الخُريميّ:

ودُونَ النَّدى في كُلِّ قَلْبٍ ثنِيَّةٌ ... بهَا مَصْعَدٌ حَزْنٌ ومُنْحدَرٌ سَهْلُ

ويقول أبو العتاهية:

اِطْرَحْ بطَرْفِكَ حيْثُ شِئْ ... تَ فلن تَرَى إلاَّ بخيلا

ويقول ابن نُباتة السّعدي:

كيف السبيلُ إلى الغِنى ... والبُخْلُ في الناسِ فِطْنَهْ

وأكثر من يتسخّى ويجود فإنما يجود رغبًا أو رهبًا - رغبًا في عاجل الجزاء، كملقي الحب للطير ليصيد به لا لينفعه

ومَنْ يَظَّنُّ نَثْرَ الحَبِّ جُودًا ... ويَنْصِبُ تحْتَ ما نَثَرَ الشِّباكا

ورهبًا من عابٍ يلتصق به أو مكروهٍ يصيبه:

مِثْلُ الحِمارِ المُوَقَّعِ الظّهْر لا ... يُعطيك شيئًا إلا إذا رَهِبا

وهناك صِنفٌ من الناس يعطي ويمنع لا بخلًا ولا كرمًًا، وإنما يكون ذلك تهورًا واندفاعًا منه مع نزوة من نزوات النفوس، كما قال الأديب أبو بكر الخوارزمي في الوزير الصاحب بن عباد:

لا تَحْمَدنَّ ابنَ عبَّادٍ وإنْ هَطَلتْ ... يداهُ بالجُودِ حتَّى أخْجلَ الدِّيَمَا

فإنّها خَطَراتٌ مِن وَساوِسِه ... يُعْطِي ويمنعُ لا بُخْلًا ولا كَرما

وقل من الناس من يجود استجابةً لفطرته، ولداعي الضّمير، كما يقولون: فليُلْحظ هذا، وليُلْحظ كذلك أنّ البخل رذيلةٌ تستتبع رذائل، وناهيك بالجبن رذيلةً، هي ألزم الرذائل للبخل: كما أن الجود فضيلةٌ تستتبع فضائلَ، وحسبك بالشجاعة فضيلةً هي أخص الفضائل بالجود:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت