ومما امتاز به هذا المُعجم أنّي لم أقتصر على إيراد العبقريات من الأقوال، وإنّما عرضت فيما عرضتُ لترجمةِ بعضِ العبقريين الذين نَبغوا في معنًى من المعاني، مثل القاضي أحمد بن أبي داود، تلك الشخصية الضَّخمة التي خُلّدت آثارُها في اصطناعِ المعروف والإحسان إلى الناس، وإن كنتُ أوجزتُ القولَ في ذلك كلَّ الإيجاز، وكذلك عرضتُ للتعريفِ بالشُّعراء والعلماء والزُّهّاد والحكماء الذين أوردتُ في هذا المُعجمِ عبقريّاتِهم، وإن كان ذلك في أجزأ قولٍ، وقد يُلاحظ أني أغفلت التعريفَ بكثيرٍ من القائلين، كما أغفلتُ في بعض المواضع شرحَ كثيرٍ من أقوالهم، وذلك إمّا لأنّي عرّفت من يجب أن يُعرّف وشرحت ما يجملُ أن يشرحَ في مواضعَ أخرى، وإمّا حدث ذلك سهوًا وغفلة، وقد يحدث - وذلك في الندرة - أن يكون الإغفال - ولاسيّما إغفالُ التعريف بالرجال - لأني لم أوَفَّق إلى التعرّف عليهم. . .
هذا وكانت النيّة أن أتوسعَ في إيراد عبقرياتِ المعاصرين، ولكنّي اقتصدتُ في ذلك كلَّ الاقتصاد، لأنَّ هذا المعجم من ناحيةٍ ليس كتابَ مختاراتٍ بالمعنى المعروف وإنّما هو معجمُ معانٍ، وإن كنتُ قد عملتُ ما وجدت إلى ذلك السبيل على أن يكونَ كتابَ مطالعةٍ بجانب أنه كتابُ مراجعة، ومن ناحيةٍ خشيت أن أُتّهمَ بما أنا براءٌ منه في الواقع إذا أنا أوردتُ المختارَ من عبقريّات بعض المعاصرين دون بعض، على أن آثار المعاصرين كثيرةُ التّداول بين قُرَّاء هذا الجيل، ومن هنا أوردتُ فيه بعضَ عبقريات المعاصرين ممن استأثر اللهُ بهم، وأوردتُ أيضًا ما استحسنت إيرادَه مما نقل إلى العربية من اللّغات الأجنبية، وبخاصة ما نُشر قديمًا في مجلة البيان التي كنت أقوم بإخراجها من سنة 1911 إلى نهاية سنة 1921 ميلادية؛ وكذلك وقع اختياري على البارع كل البراعة من الكلمات الطويلة بعض الطول لبعض العبقريين من الغابرين، وإن كان ذلك في النادر الذي لا يؤبَه له، لنُدرته، وإن كنت كذلك حذفتُ مما اخترت من هذا الضرب كثيرًا من الفضول.
أما تسميةُ هذا المُعجم الذخائر والعبقريات فلهذه التسمية مغزًى أغزوه، أمّا العبقرياتُ فإني أريد بها - كما هو واضحٌ - كلماتِهم القصيرةَ المأثورةَ المتفوقةَ في معناها، على أنّي لم آلُ جهدًا في تخيُّر العبقريّ في معناه ومبناه معًا؛ وأمّا الذخائرُ فإني لم أقتصر في هذا المعجم على اختيار نوابغ الكَلِم، وإنّما قد تُلْجِئُ الحال إلى أن أشعشعَه كما تشعشع الراحُ، بالماءِ
القراحِ فأورد بعضَ المباحث اللغوية والعلمية، على شريطة أن تكونَ بجانب مكانتها الرفيعة في بابها جميلةً مستطرفةً مُحذفةً قصيرةً متجردةً من الأذناب والفضول، كبعض كلمات بارعة لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ تراها مبعثرةً ههنا وههنا في كتابه الحيوان، مثل كلامه على الخصاء والخصيان، وكلامه على العين وأفعالها في المَعين، وكبعض كلماتٍ كذلك لغيره. . . وأمثالٍ لهذا كثيرة، على أنّ كلا الحرفين - الذخائر والعبقريات - مما يصح أن يوضعَ موضعَ الآخر، فيطلق على كلِّ ما يؤثر ويُذخر لنفاسته، سواءٌ أكانَ من الكلمات أم من الموضوعات، فكلُّ عبقريّ من القول هو ذخيرةٌ من الذخائر، وكلّ موضوع قيّم هو عبقريٌّ من العبقريات.
وهذا المعجم يقع في زهاءِ عشرةِ أجزاء، كل جزء منها يستوعب ما يُربي على العشرين والثلاثمائة صفحة من هذا القطع، من هذا الورق الذي ترى. . .
وبعد فإنّي على هذا الجهد الجاهد لا أُبرِّئُ هذا الكتابَ، من العاب، وهل يصحُّ في الأفهام أن رجلًا يجرّ وراءه نيّفًا وستين سنة، موقرة بكل ما يضعف المُنّة ويوهن القوى، ويعصف بالحيويّة عصفًا، لا تتكاثر هفواتُه وعثراتُه، وتتوافر سقطاتُه وزلاتُه، في عمل مثل هذا يحاوله، وتأليفٍ تتشعب موضوعاتُه ومسائله، وإذا كانت الموسوعات التي منها تخيّرت حسابًا فهذا المعجم فذالِكْ، وإذا كانت عبقرياتهم ههنا نظامًا فهي نِثارٌ مبدّدةٌ هنالك، وإذا كان المؤلفون يستظهرون على إخراج مؤلفاتهم في العادة بالوراقين والمصححين فلقد قمتُ وحدي بهذا العمل دونَ الاستعانة بأحد من أولئك. . . على أنّ النقصان، عالقٌ بالإنسان، كان من كان، وإنما الكمال، للحي الذي لا يموت ذي الجلال. . .
اللهم إنّي أبرأ إليك من الحول والقوة، اللهم عالم الغيب والشهادة فاطرَ السموات والأرض، يا من لا ينفع ذا الجدِّ منك الجدّ، يا من وعدت الذين هم محسنون بحسن الجزاء وحاش لله أن يخلف
الوعد، سبحانك تبارك اسمك وتعالى جدُّك، أسألك يا من تجيب دعوة الداعي إذا دعاك، أن تهب هذا الكتاب من توفيقك ما يتصل معه برضاك، ويعم الانتفاع به والإفادة منه ما اختلف الملوان، وكرَّ الجديدان. . .
ديسمبر سنة 1941
ذو القعدة سنة 1360
عبد الرحمن البرقوقي