وإنّما صارت الآفاتُ إلى أموالِ البخلاء أسرعَ والجوائحُ عليهم أكلبَ، لأنّهم أقلُّ توكّلًا، وأسوأ بالله ظنًّا. والجوادُ إمّا أن يكونَ متوكّلًا، وإما أن يكون أحْسنَ بالله ظنًّا، وهو على كل حال بالمتوكّل أشبهُ، وإلى ما أشبهه أنزعُ، وكيفما دار أمرُه، فليس ممن يتّكل على حزمِه، ويلجأ إلى كَيْسِه ويرجع إلى جودة احتياطه وشدّة احتراسه.
واعتلال البخيل بالحدثانِ، وسوء الظنّ بتقلّبِ الزمانِ، إنّما هو كنايةٌ عن سوء الظنّ بخالق الحَدثانِ، وبالذي يحدث الأزمانَ وأهلَ الزمانِ. ولا تجري الأحداثُ إلا على تقديرِ المُحْدِث لها؟ وهل تختلف الأزمنة إلا على تصريفِ من دبّرها؟ أولسنا وإن جهلنا أسبابَها فقد أيقنّا بأنها تجري إلى غاياتها؟
والدليلُ على أنّه ليس بهم خوفُ الفقر، وأنّ الجمع والمنعَ إمّا أن يكون عادةً منهم، أو طبيعةً فيهم، أنك قد تجد المَلِكَ بخيلًا، ومملكتُه أوسع، وخرجُه أدرُّ، وعدوُّه أسكنُ وقد علمنا أن الزنج أقصرُ الناس مِرّةً ورويّةً وأذهلُهم عن معرفة العاقبة: فلو كان سخاؤهم إنّما هو لكَلالِ حدّهم، ونقصِ عقولهم، وقلّةِ معرفتهم، لكان ينبغي لفارسَ أن تكونَ أبخلَ من الرّوم وتكونَ الرومُ أبخلَ من الصّقالبة، وكان ينبغي في الرجال، في الجملة، أن يكونوا أبخلَ من النساء، في الجملة، وكان ينبغي للصبيان أن يكونوا أسخى من النساء، وكان ينبغي أن يكونَ أقلُّ البخلاء عقلًا، أعقلَ من أشدِّ الأجوادِ عقلًا؛ وكان ينبغي للكلب - وهو المضروب به المثل في اللؤم - أن يكونَ أعرفَ بالأمور من الديك، المضروب به المثلُ في الجود.
ونحن لا نجد الجوادَ يَفِرُّ من اسم السّرفِ إلى الجودِ، كما نجد البخيلَ يَفِرُّ من اسم البخلِ إلى الاقتصاد. وتجد الشجاعَ يَفرّ من اسم المنهزم، والمستحي يفرّ من اسم الخجل. ولو قيل لخطيب ثابت الجَنان: وقاحٌ لجزع - فلو لم يكن من فضيلة الجود إلا أن جميع المتجاوزين لحدود أصناف الخير يكرهون اسم تلك الفضيلة - إلا الجواد، لقد كان في ذلك ما يبين قدرَه، ويظهر فضلَه.
ولو كانوا لأولادهم يجمعون، ولهم يكدّون، ومن أجلهم يحرصون، لجعلوا لهم كثيرًا ممّا يطلبون، ولتركوا محاسبتَهم في كثيرٍ ممّا يشتهون.
وهذا بعض ما بغَّض بعضَ المورثين إلى الوراثين، وزهّد الأخلاف في طول عمر الأسلاف. . .
ولو كانوا لأولادهم يُمهِّدون، ولهم يجمعون، لما جمع الخِصيانُ الأموال، ولَما كنزَ الرهبانُ الكنوزَ، ولاستراح العاقِرُ من ذلِّ الرغبة ولسلِمَ العقيمُ من كدِّ الحرص. وكيف؟ ونحن نجده بعد أن يموتَ ابنُه الذي كان يعتلُّ به، والذي من أجله كان يجمع، على حاله في الطلب والحرص، وعلى مثل ما كان عليه من الجمع والمنع.
والعامة لم تقصِّر في الطلب والحُكْرة، والبخلاء لم يَحدّوا شيئًا من جهدهم ولا أعفوا بعدُ قدرتَهم، ولا قصّروا في شيء من الحرص والحَصْر، لأنهم في دار قُلْعَةٍ، بعرض نُقلَةٍ. حتى لو كانوا بالخلود موقنين، لأغفلوا تلك الفضول.
فالبخيل مجتهدٌ، والعاميُّ غير مقصِّرٍ. فمن لم يستعِنْ على ما وصفنا بطبيعةٍ قوية، وبشهوةٍ شديدة، وبنظرٍ شافٍ، كان إما عاميًّا، وإما بَخيلًا شقيًّا - ففيمَ اعتلالُهم بأولادهم، واحتجاجُهم بخوف التلوُّن من أزمنتهم؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوافدٍ كذب عنده كَذْبةً، وكان جوادًا: (لولا خَصْلةٌ وَمِقك اللهُ عليها، لشرَّدْتُ بك مِنْ وافدِ قومٍ) . . . وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: هل لك في بيضِ النساء وأُدْمِ الإبل؟ قال: ومن هم؟ قال: بنو مُدْلج. قال: يمنعني من ذاك قِراهم الضيفَ، وصلتهم الرّحمَ.
وقال لهم أيضًا: إذا نَحروا ثجّوا، وإذا لبَّوا عجّوا.
وقال للأنصار: من سيّدكم؟ قالوا: الحُرُّ بن قيس، على أنه يُزَنُّ فينا ببخل، فقال: وأيُّ داء أدْوأ من البخل؟ جعلَه من أدوإ الداء.
وقال للأنصار: (أنا والله، ما علمتكم إلا لتكثرون عند الفزع وتقلّون عند الطمع) ، وقال: (كفى بالمرء حرصًا ركوبه البحر) -. وقال: (لو أنّ لابن آدمَ واديين من مال لابتغى ثالثًا، ولا يُشبع ابنَ آدمَ إلا الترابُ ويتوب الله على من تاب) . وقال: (السّخاءُ من الحياء، والحياءُ من الإيمان) وقال: (إن الله جوادٌ يحبُّ الجود) . وقال: (أنفق يا بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالًا) .
هذا ما رأينا اختياره من هذه الرسالة الجاحظيّة البارعة الجامعة. ونعود إلى سائر عبقرياتهم في الجود والإحسان.