النقطة الثانية: وأما التمسح بقبره صلى الله عليه وسلم فقد كرهه أكثر العلماء فعلا، ولكن من المعلوم أن الغالب عند المتقدمين إطلاق لفظ الكراهة وقصدهم بذلك كراهة التحريم كما نبه على ذلك ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين، وذكر ذلك غيره من العلماء. وانظر كيف شدد النووي في الأمر واستدل بأدلة إبطال البدع مع أنه نقل قول أكثر العلماء بالكراهة حيث قال في كتابه"المجموع": لا يجوز أن يطاف بقبره صلى الله عليه وسلم، ويكره إلصاق الظهر والبطن بجدار القبر، قاله أبوعبيد الله الحليمي وغيره، قالوا: ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضره في حياته صلى الله عليه وسلم. هذا هو الصواب الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه، ولا يغتر بمخالفة كثيرين من العوام وفعلهم ذلك، فإن الاقتداء والعمل إنما يكون بالأحاديث الصحيحة وأقوال العلماء، ولا يلتفت إلى محدثات العوام وغيرهم وجهالاتهم. وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد} وفي رواية لمسلم {من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد} وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم} رواه أبو داود بإسناد صحيح. وقال الفضيل بن عياض رحمه الله ما معناه: اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين. ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة، فهو من جهالته وغفلته، لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع، وكيف يبتغى الفضل في مخالفة الصواب؟! اهـ.