الصفحة 8 من 65

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:

أما الجهاد فناهيك به من عبادة هي سنام العبادات وذروتها، وهو المحك والدليل المفرق بين المحب والمدعي؛ فالمحب قد بذل مهجته وماله لربه وإلهه متقربًا إليه ببذل أعز ما بحضرته، يود لو أن له بكل شعرة نفسًا يبذلها في حبه ومرضاته، ويود أن لو قتل فيه ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي ثم قتل؛ فهو يفدي بنفسه حبيبه وعبده ورسوله، ولسان حاله يقول:

يفديك بالنفس صب لو يكون له

أعز من نفسه شيء فذاك به

فهو قد سلم نفسه وماله لمشتريها، وعلم أنه لا سبيل إلى أخذ السلعة إلا ببذل ثمنها: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة: 111] ، وإذا كان من المعلوم المستقر عند الخلق أن علامة المحبة الصحيحة بذل الروح والمال في مرضات المحبوب، فالمحبوب الحق الذي لا تنبغي المحبة إلا له، وكل محبة سوى محبته فالمحبة له باطلة- أولى بأن يشرِّع لعباده الجهاد الذي هو غاية ما يتقربون به إلى إلههم وربهم، وكانت قرابين من قبلهم من الأمم في ذبائحهم وقرابينهم تقديم أنفسهم للذبح في الله مولاهم الحق، فأي حسن يزيد على حسن هذه العبادة؛ ولهذا ادخرها الله لأكمل الأنبياء وأكمل الأمم عقلًا وتوحيدًا ومحبه لله [1] .

(1) مفتاح دار السعادة (2/ 4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت