الصفحة 35 من 139

يقول الإمام النووي في بيان هذا التفاوت: (لا يشترط سقوط الاختيار، بل: إذا أكرهه على فعل يؤثر العاقل الإقدام عليه حذرًا مما تهدده به حصل الإكراه. فعلى هذا ينظر فيما يطلبه منه، وما هددوه به، فقد يكون الشيء إكراهًا في مطلوب دون مطلوب وفي شخص دون شخص) [1] .

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- في المسألة نفسها: (تأملت المذاهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره. فليس المعتبر في كلمات الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها. فإن الإمام أحمد قد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب أو: قيد. ولا يكون الكلام إكراهًا، وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها بمسكنه فلها أن ترجع على أنها لا تهب له إلا إذا خافت أن يطلقها أو: يسيء عشرتها. فجعل خوف الطلاق أو: سوء العشرة إكراهًا [2] . ومثل هذا لا يكون إكراهًا على الكفر، فإن الأسير إذا خشي الكفار أن لا يزوجوه أو: أن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر) [3] . وقد يعظم الأمر وينحسر الإعذار بالتقية حتى لا يعذر بها كما في حال المكره على الكفر مع الدوام على ذلك لا في حالة عارضة.

ولهذا لما سئل الإمام أحمد-رحمه الله-عن الرجل يؤسر فيعرض على الكفر ويكره عليه أله أن يرتد؟ فكرهه كراهة شديدة، وقال: ما يشبه هذا عندي الذي أنزلت فيهم الآية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (أولئك كانوا يراودون على الكلمة ثم يتركون يعملون ما شاءوا، وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على الكفر وترك دينهم) [4] .

وبعد كل هذا: فإنه إذا كان الرضى بالكفر الظاهر هو مناط التكفير على الحقيقة، ولم يمكن الحكم عليه ومعرفته إلا من حيث دلالة الظاهر عليه، وكان الإكراه مانعًا من الحكم بتكفير المعين.

ولم يكن الإكراه محدودًا بحد منضبط يستوي فيه جميع أفراد المكلفين، فلم يبق إذن إلا اعتبار الإكراه ما أمكن أن يكون عذرًا في درء الحكم بوصف الكفر للمعين، حتى إذا لم يمكن بحال أن يكون المعين مكرهًا ولو ادعاه كان كافرًا.

ومعلوم أن مجرد احتمال عدم الإكراه أمر إضافي نسبي يختلف من معين إلى آخر وأنه لا بد للتحقق منه من تبين حال كل معين على التفصيل قبل الحكم عليه بأن ما ادعاه إكراهًا، وهنا قد يحصل الخلاف في حكم معين، وهل هو معذور أم غير معذور للاختلاف في أن ما اعتذر به من الإكراه محتمل أو: غير محتمل. وهذا خلاف في تحقيق مناط الحكم. لكن الذي لا يصح الخلاف فيه هو مناط الحكم لا تحقيق مناطه.

(1) -انظر: (روضة الطالبين) (8/ 60) للإمام النووي.

(2) -وفي النسخة التي بحوزتي داخل السجن من (مجموعة التوحيد) (ص:208) فيها زيادة: (ولفظه في موضع آخر: لأنه أكرهها) .

(3) -انظر: (مجموعة التوحيد) (ص:297) . وفي النسخة التي عندي-حاليًا-داخل السجن رقم: (ص:208) . دار الفكر. ط: الأولى.

(4) -انظر: (المغني) لابن قدامة (8/ 147) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت