الصفحة 36 من 139

التقية مباحة والصبر أولى:

كل ما سبق من الكلام عن التقية إنما يدل على إباحتها لرفع الحرج [1] الذي هو من مقاصد الشريعة ومقتضى رحمة الله بعباده.

لكن ذلك لا يدل على مشروعيتها وجوبًا أو: استحبابًا، بل الأصل هو عدم التقية. وإنما يكون الإعذار بالتقية كحالة عارضة مؤقتة لرفع الحرج والإثم فقط. وعلى هذا فالصبر والأخذ بالعزيمة أولى من الترخص ولو وصل الإكراه إلى حد القتل. ولهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) [2] .

وتأمل صبر بلال-رضي الله عنه -وقد كان (تفعل فيه الأفاعيل حتى إنهم ليضعوا الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم ويقول: أحد، أحد، ويقول: والله لو أعلم كلمة أغيظ لكم منها لقلتها-رضي الله عنه وأرضاه) . وكذلك حبيب ابن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم، فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، فلم يزل يقطعه إربًا إربًا وهو ثابت على ذلك ... وكذلك خباب بن الأرت عذب فكان (يأخذه المشركون فيوقدون له نارًا ثم يلقونه فيها فما يطفئها إلا شحم ظهره) [3] . وتأمل قصة أصحاب الأخدود وما كان من حال الغلام في الصبر على أن يقتل ليهتدي الناس بسببه [4] .

وقصة مؤمن آل فرعون حينما صرخ في قومه وتوعدهم بعذاب الله بعد أن كان يكتم إيمانه. وقصة مؤمن سورة يس وقد أمر قومه باتباع الرسل فقال: (يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئًا ولا ينقذون إني إذًا لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعون) [5] ، فقتله قومه فقال بعد موته: (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) [6] . والأمثلة على نحو ذلك كثيرة من أحوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المجاهدين الصابرين من هذه الأمة ومن سبقها، مما يدل على المنزلة الرفيعة لمن أخذ بالعزيمة وترك الرخصة [7] ولو كانت مباحة [8] . والرافضة يعتقدون أن التقية واجبة،

(1) -الحرج: ما يتعسر على العبد الخروج عما وقع فيه. (التعريفات) (ص:70) .

(2) -رواه الحاكم في مناقب الصحابة (3/ 195) ، انظر شواهده في: (بيان الوهم والإيهام ... ) : (4/ 633/رقم:2188) .

(3) -انظر: (تفسير ابن كثير) (28589) ، و (الإصابة) (1/ 416) لابن حجر.

(4) -أخرجه مسلم في (صحيحه) ، كتاب الزهد والرقائق (3005) ، والترمذي في (جامعه) ، كتاب التفسير (3337) .

(5) -سورة يس، الآية رقم: (20/ 25) .

(6) -سورة يس، الآية رقم: (27) .

(7) -الرخصة في اللغة: اليسر والسهولة. وفي الشرع: اسم لما شرع متعلقًا بالعوارض أي: مما استبيح بعذر مع قيام الدليل المحرم. أو: ما بني على أعذار العباد. (التعريفات للجرجاني) ، وفي (تعريفات الأنصاري) (ص:70) : (الرخصة: حكم يتغير من صعوبة إلى سهولة، لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي) .

(8) -انتهى هذا الفصل بكامله-مع تصرف مني يسير-من كتاب: (ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة) (ص:267/ إلى:281) كتبه عبد الله بن محمد القرني لنيل درجة: (الماجستير) في قسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت