ولو كانت عقيدة صاحبها نقية غير ملبسة، لكنه تعالى حرمها لأنها ذريعة إلى فساد العقيدة، فكيف وقد وقع هذا الفساد والتلبيس والتخليط بالفعل؟
ولنقول لهم للعلماء والدعاة: لطالما أصَّلتم وفصَّلتم في قاعدة سد الذرائع لمعاص مما يُمكن أن يُغتفر، فأين سدكم لذرائع الشرك الذي لا يُغتفر في مسائل الديمقراطية وسيادة الشعب والحكم والتشريع؟
سمى الله رسوله عبدًا في أشرف المقامات وهذا فيه سد لذريعة المغالاة في تعظيم النبي حيث يُعلم أن غاية ما يصل إليه إنسان من مراتب العظمة هو العبودية لله.
ونهى النبي عن الغلو في مدحه فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله) سدًا لذريعة المبالغة في تعظيمه.
وقال قُبيل وفاته -عليه الصلاة والسلام-: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر مما صنعوا، يحذر من بناء المساجد على القبور حتى ولو كان ذلك بنية عبادة الله وحده فيها، لكنه أراد سد الذريعة إلى عبادة من في القبور.
قال ابن تيمية:"إنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بناء المساجد على القبور ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تكبير القبور وتشريفها وأمر بتسويتها، ونهى عن الصلاة إليها وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانًا، وحرم ذلك على من قصد هذا ومن لم يقصده". يعني حرم أفعال التعظيم هذه أو أفعال التزيين على من قصد اتخاذها أوثانًا ومن لم يقصده. قال:"وحرم ذلك على من قصد هذا ومن لم يقصده بل قصد خلافه سدًا للذريعة". يعني حتى من أراد إفراد الله -عز وجل- بالعبادة يحرم عليه كل الأفعال التي قد تكون ذريعة في يوم من الأيام إلى شرك القبور.
ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر سدًا لذريعة التشبه بالمشركين الذين كانوا يسجدون للشمس في هذين الوقتين، مع أن هذا التشبه -كما قال ابن القيم-"لا يكاد يخطر ببال"