ثم لنتفق على أن كونها معصية أمر معلوم من الدين بالضرورة لا يجوز لمسلم إنكاره، إذ الأدلة عليه مستفيضة محكمة كقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] ، وقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18] ، وقوله: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} ، وقوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] ، وتفسير النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه الآية في حديث الترمذي وغيره، وإجماع المسلمين على حرمة الحكم بغير الشريعة، وإجماعهم على حرمة تبديل مرجعية الشريعة بحيث يكون الحكم بغير ما أنزل الله قانونًا مُتبعًا ملزِمًا محميًا بالقوة يُحمل عليه الناس وُيعاقب من خالفه، وليس فلتات عارضة.
المصيبة التي أدى إليها اشتراك"إسلاميين"في هيكليات الحكم الجاهلية وعدم التمايز عنها أنهم بذلك لبسوا على من اتبعهم من الشعوب وأشركوهم معهم في تبرير الحكم بغير الشريعة واستحلال هذا الأمر المعلوم حرمته من الدين بالضرورة.
فأصبحنا نسمع من بعض عامة الناس تبريرًا بأن الشعوب غير مهيأة لتطبيق الشريعة وأن تطبيقها يعني استعداء النظام الدولي، وأن الحرية مقدمة على الشريعة، وأنه لا بد من سد حاجات الناس قبل تطبيقها. وغير ذلك من العبارات التي تبرر الحكم بغير ما أنزل الله ولو بشكل مرحلي.
كان علماء السوء يجهدون في محاولة إثبات الإسلام للحكام بادعاء أن الكفر إنما يقع إذا استحل الحاكم الحكم بغير ما أنزل الله، ويرد عليهم علماء السلفية بأن هذا الحكم فعل مكفر في ذاته استحل أم لم يستحل. فإذا بقطاعات من الناس تُساق إلى الاستحلال ذاته والله المستعان.
لم تعد المسألة مقتصرة على التعذر بالعجز عن تطبيق الشريعة لعدم تمكن"الإسلاميين"من أجهزة الدولة. طبعًا هذا ليس عذرًا، إذ قد بينا أنه لا يجوز لهم أن يشاركوا في حكم جاهلي هم غير مُمكنين فيه وبيّنا الآثار المدمرة لذلك. لكن المشكلة أن بعض الناس دارت على ألسنتهم طروحات تبرر