فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 161

فالذي يريد أن يعطل الشريعة إشفاقًا على الناس من شدتها، إما أنه يجهل أحكام الشريعة ومراعاتها للاضطرار والإكراه والعذر بالجهل وهذا سوء ظن بالشريعة، وإما أنه يظن نفسه أرفق بعباد الله من ربهم سبحانه وتعالى وهذا أيضًا سوء ظن بالشريعة، شريعة الله أرحم من ذلك.

هناك بيئات لا تصلها الأحكام الشرعية. رأينا مثلا كيف أن هناك مناطق في صعيد مصر لا يعرف الواحد أن يقرأ الفاتحة ولا يعرف اسم النبي - صلى الله عليه وسلم - نتيجة للتجهيل الذي مارسه النظام العفن لعقود طويلة. الآن لو قام حكم إسلامي وأتى إلى هذه المناطق فرأى الناس يشربون الخمر ويتعاطون الحشيش ويتعاملون بالربا وهم يجهلون حرمة هذه الأشياء، هل يقيم عليهم النظام الإسلامي حد الخمر ويعزرهم -يعاقبهم- على تعاطي الحشيش والربا؟ طبعًا لن يعاقبهم ولن يعزرهم، ولن يقيم عليهم حد الخمر، لماذا؟ لأن الناس جهلوا حرمة هذه الأشياء جهلًا لعل الكثيرين منهم معذورون به لأنهم نشأوا في بيئات مجهلة فقيرة نائية عن العلم، نتيجة لهذا النظام المجرم الذي حكمهم لهذه الفترة الطويلة. ومن شروط العقوبة على العمل المحرم أن يعلم فاعله أنه محرم. فإنما يجب على الدولة حينئذ أن تُعلم الناس في هذه المناطق حرمة هذه المنكرات. فإن شرب أحد الخمر بعد ذلك جُلد لأن شروط الحد مُستكمَلة.

فلو تصورنا أن نظامًا أتى وقطع يد السارق المضطر وجلد شارب الخمر الجاهل المعذور بجهله، فإننا سنكون حينئذ أول من يقف في وجهه، ونؤلف فيه سلسلة بعنوان نصرة للشريعة أيضًا. فإعمال حكم لم تتحقق شروطه وترك الحكم المناسب للحالة هو أيضا تعطيل للشريعة. عدم أخذ الاضطرار والإكراه والجهل بعين الاعتبار هو مخالفة للشريعة. جلد من لا ينبغي جلده وعقاب من لا يستحق العقاب حسب الشريعة هو من تعطيل الشريعة. فنحن لن نكون موافقين على نظام يفعل مثل هذه الأشياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت