فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 161

بل انظروا كيف يعرض علماء الأمة هذه المسألة: قال ابن القيم في (إعلام الموقعين) :"فإن السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدةٍ غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه. ويجب على صاحب المال بذل ذلك له، إما بالثمن أو مجانا، على الخلاف في ذلك، والصحيح وجوب بذله مجانا، لوجوب المواساة وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج". يعني في هذه الحالة -في حالة عام المجاعة والفقر، يجب أصلًا على الغني أن يبذل ماله طواعية للفقير، هذا حق للفقير في ماله. قال:"وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج، لا سيما وهو مأذون له في مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسد رمقه". يعني يا إخواني في عام المجاعة الفقير المضطر له أن يأخذ المال عنوة عن الغني بالمقدار الذي يسد به رمقه. قال:"وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه من يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه، فدرئ". أي أنه على فرض أن عمر -رضي الله عنه- أوقف حد السرقة بشكل عام ذلك العام فإن سبب ذلك هو أنه لا يستطيع أن يميز بين المضطر وغير المضطر إلى هذه السرقة.

ثم قال ابن القيم:"نعم، إذا بان أن السارق لا حاجة به وهو مستغن عن السرقة قُطع"، لاحظ. إذًا المسألة على فرض أن عمر بالفعل أوقف حد السرقة في ذلك العام، لم يكن ذلك إيقافا عامًا -حكمًا عامًا- لجميع السارقين، وإنما لو ثبت أن شخصًا معينًا سرق وهو غير محتاج إلى هذه السرقة، وتكاملت فيه الشروط الأخرى المعتبرة شرعًا التي ذكرناها، فإن الحد سوف يُقام على هذا السارق في هذه الحالة.

إخواني، لقد جعل الله تعالى شريعته سمحة تراعي أحوال الناس، تراعي الاضطرار والإكراه والجهل الذي يُعذر الإنسان به. فالرفق بالإنسان إنما هو بإعمال الشريعة على ما هي عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت