فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 161

السرقة لمن سرق حتى ينقذ نفسه من الهلاك أو مشقة الجوع الشديدة. ومعلوم أن الضرورة الملجئة تبيح للإنسان ما لا يباح لغير المضطر، فالذي لا يجد ما يأكله له أن يأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وإن لم يعطه الغني طواعية جاز لهذا الجائع الفقير أن يسرق ما ينقذ به نفسه.

بمعنى آخر، لو أقام عمر الحد في هذه الحالة لأثم، لاحظ: لو أقام عمر الحد في عام المجاعة على السارق المضطر لأثم، لأنه لو أقام الحد فإنه عمل بخلاف الشريعة.

الآن لو قتل مسلمٌ مسلما آخر خطئًا. فما حكمه في الشريعة؟ عليه الكفارة وعلى عاقلته الدية. هل يُقتل؟ طبعا لا يقتل، لأنه قَتل خطأ. إذا جاء الحاكم وقتله، هل يكون مصيبا؟ لا طبعا بل يأثم ويكون قد ارتكب جريمة قتل تعاقب عليها الشريعة. فهل نقول: على الحاكم أن يعطل حكم الشريعة في الاقتصاص من القاتل؟ لا طبعا! هو لا يعطل حكم الشريعة في هذه الحالة. بل نقول أن شرط تعمد القتل لم يتحقق حتى يسمح الحاكم بالقصاص. فهذا القاتل له حكم آخر من الشريعة ذاتها. حكمه الكفارة والدية على عاقلته. وهكذا مسألتنا هذه. السارق المضطر ليس حكمه القطع في الشريعة، بل الشريعة تمنع من إقامة الحد عليه.

فالمسألة إخواني كما ترون مسألة فقهية بحتة، لا إعمال للعقل بدلا من الشريعة. سؤال يطرح نفسه: بيننا وبين عمر -رضي الله عنه- أكثر من أربعة عشر قرنًا. هل قال عالم واحد من علماء الأمة عبر هذه القرون -هل قال عالم واحد من سلفنا الصالح أن رواية عمر هذه دليل على جواز التدرج في تطبيق الشريعة؟ هل فهم عالم واحد هذا الفهم الذي أصبحنا نسمعه في هذه الأيام؟ هل قال عالم من سلفنا الصالح أن عمر أوقف العمل بشيء من الشريعة؟ هل قال بذلك أبو حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد أو ابن تيمية أو الغزالي أو ابن القيم؟ هل قال به أي واحد من علماء الأمة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت