الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان.
وقال الحسن [1] في خطبته: أيها الناس، إن الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية هو حق لامرئ كان أحق به مني، أو حق لي تركته لمعاوية إرادة إصلاح المسلمين وحقن دمائهم، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين [2] ا. هـ.
وقال أبو سليمان الخطابي في كتابه «معالم السنن» (7/ 37) - تحت شرحه لهذا الحديث: وقد خرج مصداق هذا القول فيه بما كان من إصلاحه بين أهل العراق وأهل الشام وتخليه عن الأمر، خوفا من الفتنة، وكراهية لإراقة الدم، ويسمى ذلك العام سنة الجماعة، وفي الخبر دليل على أن واحدا من الفريقين لم يخرج بما كان منه في تلك الفتنة من قول أو فعل عن ملة الإسلام، إذا قد جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم مسلمين، وهكذا سبيل كل متأول فيما تعاطاه من رأي ومذهب دعا إليه، إذ كان قد تأوله بشبهة وإن كان مخطئا في ذلك، ومعلوم أن إحدى الفئتين كانت مصيبة والأخرى مخطئة ا. هـ [3] .
وقال أبو العباس ابن تيمية - كما في «الفتاوى» (35/ 70) : وأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الحسن بهذا الصلح الذي كان على يديه، وسماه سيدًا بذلك، لأجل أن ما فعله الحسن يحبه الله ورسوله، ويرضاه الله ورسوله، ولو كان الاقتتال الذي حصل بين المسلمين هو الذي أمر الله به ورسوله لم يكن الأمر كذلك، بل يكون الحسن قد ترك الواجب، أو الأحب إلى الله، وهذا النص الصحيح الصريح يبين أن ما فعله الحسن محمود، مرضي لله ورسوله ا. هـ.
ومما يستفاد من الحديث أيضا ترك الكلام في هذه الفتنة وعدم الطعن في معاوية ومن كان معه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أثنى على هذا الصلح ومدح الحسن رضي الله عنه الذي تم هذا الصلح على يده، فعندما يطعن بمعاوية ومن معه يكون هذا منافيا لهذا الصلح الذي أثنى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكي يبقى هذا الصلح قائما مستمرا فلا بد من عدم إثارة الأسباب التي أدت إلى النزاع، ومن ذلك ترك الطعن في معاوية رضي الله عنه ومن معه، والاقتصار على ما جاءت به
(1) أي: الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
(2) «الإعتقاد» للبيهقي (ص:533 - 535) .
(3) وقد ذكر البغوي في «شرح السنة» (14/ 136) قريبا من كلام الخطابي.