الصفحة 15 من 25

تأمل يا أخي كيف أن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى قد عدّ البدع أعظم جرمًا من كبائر الذنوب وأدنى من الكفر والشرك، ولا نعلم في هذا خلافًا عند أهل العلم، قال الإمام سفيان الثوري:"البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يُتاب منها، وأما البدعة فلا يتاب منها" [[1] ]، وقال الإمام الشافعي:"لأن يلقى الله المرء بكل ذنب خلا الشرك بالله، خيرٌ له من أن يلقاه بشيء من هذه الأهواء" [[2] ]، وقال الإمام مالك:"لو أن رجلًا ركب الكبائر كلها بعد أن لا يشرك بالله، ثم تخلى عن هذه الأهواء والبدع، دخل الجنة" [[3] ].

وأما الأدلة من السنة فهي مطردة أيضا، منها ما نقله الإمام أبو داود في سننه تحت باب مجانبة أهل الأهواء وبغضهم، وساق فيه أحاديث منها قصة كعب بن مالك والذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم في غزوة تبوك فذكر قول كعب بن مالك:"ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم المسلمين عن كلامنا أيّها الثلاثة حتى إذا طال عليّ تسوّرت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمّي فسلّمت عليه فوالله ما رد عليّ السلام". [[4] ]

وقال أيضًا: باب ترك السلام على أهل الأهواء، وذكر فيه حديث عمّار بن ياسر قال:"قدمت على أهلي وقد تشققت يداي فخلّقوني بزعفران فغدوت على النبي صلى الله عليه وسلّم فسلّمت عليه فلم يرد عليّ السلام وقال: (اذهب واغسل هذا عنك) . [[5] ]"

وذكر أيضًا هجران رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأم المؤمنين زينب من حديث عائشة رضي الله عنا قالت:"اعتلّ بعيرٌ لصفية بنت حييّ وعند زينب فضل ظهر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لزينب: (أعطيها بعيرًا) ، فقالت:"أنا أعطي تلك اليهودية"، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر. [[6] ]"

وأمثاله كثير في الصحاح والسنن، وعلى سنته صلى الله عليه وسلّم في ذلك مضى صحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين، فها هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجلد صبيغا التميمي في مساءلته عن حروف القرآن حتى اضطربت الدماء في ظهره، وقال غير مرة، وبعث إلى أهل البصرة: أن لا تجالسوه، فلو جاء إلى حلقة ما هي قاموا وتركوه. [[7] ]

وهجر عبد الله ابنًا له حتى مات. [[8] ]روى الإمام أحمد في مسنده عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: (لا يمنعن رجل أهله أن يأتوا المساجد) ، فقال ابنٌ لعبد الله بن عمر فإنّا نمنعهن (أي إننا سنمنعهن) ، قال عبد الله: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم وتقول هذا، قال: فما كلمه عبد الله حتى مات. [[9] ]، والله لا يكون ذلك من اليسر بمكان إلاّ عند من أحب لله وحده وأبغض لله وحده وكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة المجادلة، الآية: 22] .

عن عبد الله بن مغفل، قال:"نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخذف، وقال: (إنها لا تصطاد صيدا، ولا تنكأ عدوا، ولكنها تفقأ العين، وتكسر السن) فقال رجل لعبد الله بن مغفل: وما بأس هذا؟ فقال:"إني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول هذا والله لا أكلمك أبدا"."

(1) حلية الأولياء (7/ 26)

(2) ابن عساكر (51/ 309)

(3) حلية الأولياء (6/ 325)

(4) أبوداود (3984)

(5) أبوداود (3985)

(6) أبو داود (3986)

(7) الشريعة للآجري (1992)

(8) أبو داود (4270)

(9) أحمد (4696)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت