فهرس الكتاب
قال الإمام ابن بطة معلقًا: فاعتبروا يا أولي الأبصار فشتان بين هؤلاء العقلاء السادة الأبرار الأخيار الذين ملئت قلوبهم بالغيرة على إيمانهم، والشح على أديانهم، وبين زمان أصبحنا فيه، وناس نحن منهم، وبين ظهرانيهم، هذا عبد الله بن مغفل صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيد من ساداتهم يقطع رحمه، ويهجر حميمه حين عارضه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحلف أيضا على قطيعته، وهجرانه، وهو يعلم ما في صلة الأقربين، وقطيعة الأهلين.
وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم حكيم هذه الأمة، وأبو سعيد الخدري يظعنون عن أوطانهم، وينتقلون عن بلدانهم، ويظهرون الهجرة لإخوانهم؛ لأجل من عارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوقف عن استماع سنته، فيا ليت شعري كيف حالنا عند الله عز وجل، ونحن نلقى أهل الزيغ في صباحنا والمساء يستهزئون بآيات الله، ويعاندون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حائدين عنها وملحدين فيها؟ سلمنا الله وإياكم من الز يغ والزلل. انتهى [[1] ].
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في جامع العلوم والحكم:"فإنَّ تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تألُّهُ الله وحده، إجلالًا، وهيبةً، ومخافةً، ومحبةً، ورجاءً، وتعظيمًا، وتوكلًا، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تألُّه ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم يبق فيه محبة، ولا إرادة، ولا طلب لغير ما يريده الله ويحبه ويطلبه، فينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها، ووسواس الشيطان، فمن أحب شيئا وأطاعه، وأحب عليه وأبغض عليه، فهو إلهه، فمن كان لا يحب ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا له، فالله إلهه حقا، ومن أحب لهواه، وأبغض له، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه، كما قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) .. إلى أن قال:"فتبين بهذا أنه لا يصح تحقيق معنى قول: لا إله إلا الله، إلاَّ لمن لم يكن في قلبه إصرار على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يُريده الله، ومتى كان في القلب شيء من ذلك، كان ذلك نقصًا في التوحيد، وهو من نوع الشرك الخفي"انتهى كلامه رحمه الله. [[2] ]"
قال الشيخ عبد الكريم الحميد حفظه الله تعالى:"وقد جمع بعض أهل العلم أسماء من كان يزجر بالهجر من الصحابة والتابعين فمن بعدهم فذكر منهم: عائشة، وحفصة، وحفص بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، وطاووسا، ووهب بن منبه، والحسن البصري، وابن سيرين، وسفيان الثوري، وخلقا ... إلى أن ختم بالنووي فإنه كان يزجر بالهجر ويراه، وقرره في شرح صحيح مسلم وغيره أوضح تقرير واحتج له بعدة أدلة. [[3] ]"
(1) الإبانة الكبرى (1/ 59)
(2) جامع العلوم والحكم (1/ 524)
(3) إمعان النظر (15)