قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وكذلك الخوارج لما كانوا أهل سيف وقتال ظهرت مخالفتهم للجماعة حين كانوا يقاتلون الناس وأما اليوم فلا يعرفهم أكثر الناس". [[1] ]
ويشهد لهذا ما حصل بالفعل في بيشاور لما اختلف أحد الغلاة مع بعض الإخوة في مسألة من المسائل، فقام الأول ورماهم بالرصاص بعد أن كفرهم بمقتضى اعتقاده الفاسد وهذه القصة أشهر من نار على علم، فلقد أخبرنا بها غير واحد ممن كانوا في تلك الديار.
وقال:"وقالت البيهسية: الناس مشركون بجهل الدين"
أقول وهذا من بعض ما يستدل به خوارج العصر في الحكم على الناس بالكفر، فيقولون أن الناس يجهلون معنى لا إله إلا الله، ويجهلون شروطها ومقتضياتها ... إلخ، وبنائًا على هذا فإنهم لا يحكمون لأحد بإسلام حتى يعلموا منه فهمًا تفصيليًا لمعنى كلمة لا إله إلا الله وشروطها، وبكلامهم هذا يتضح لك أيها الحبيب جهل القوم في أصل من أصول منهج أهل السنة والجماعة وهو إجراء الأحكام على الظاهر، وبالتالي جهلهم في الفرق بين الإسلام الحكمي والإسلام الحقيقي، فالإسلام الحكمي متعلقٌ بحكم الناس بالإسلام في الدنيا على من ظهر منه الإسلام بقول لا إله إلاّ الله وبالتزام الشرائع وإظهارها دون التنقيب عن القلوب والشق عن الصدور كما يشترط الغلاة.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته) .
وأخرج البخاري أيضًا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (إنّ أُناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمنّاه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة) .
إذًا فالحكم على الناس يجري على ظاهرهم فمن كان ظاهره الإسلام حكمنا عليه بالإسلام ومن تلبس بكفر حكمنا عليه بالكفر بموجب الضوابط الشرعية من تحقق الشروط وانتفاء الموانع المقررة عند أهل العلم المعتبرين من السلف والخلف، وهذه المسألة ضل فيها فريقان نقيضان، فريق غلا وأفرط باشتراطه التبين للحكم بالإسلام على من أظهر الإسلام، وفريق جفا وفرط باشتراطه استحلال القلب للحكم بالكفر على من تلبس بذنب مكفر أو ظهر منه ناقضٌ من نواقض الإسلام.
وأما الإسلام الحقيقي فهو متعلق بعلم الله سبحانه وتعالى بما انعقدت عليه القلوب والسرائر، وهذا الإسلام -أي الحقيقي- هو المعتبر به والمعوّل عليه يوم القيامه دون الإسلام الحُكمي، ويُعلَمُ هذا من معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمنافقين معاملة المسلمين بما أظهروا من إسلام، فلقد ورّثهم وورّث منهم بل إنه صلى الله عليه وسلم قد صلى على رأس المنافقين في المدينة عبدالله بن أبيّ بن سلول، مع علمه صلى الله عليه وسلّم من طر يق الوحي أنهم من أعظم الناس كفرًا، ولكنه أجرى عليهم أحكام الظاهر رافعًا بذلك تكليف أمته من بعده بما لا يطيقون من التنقيب عن السرائر والبحث في الضمائر، فاعتبرهم مسلمين في الدنيا حكمًا، ولكنهم كفارٌ عند الله سبحانه وتعالى حقيقةً، ويوم القيامة هم في الدرك الأسفل من النار.
وقال:"ومن البيهسية فرقة يقال لهم العوفية وهم فرقتان: .. ، وكلا الفريقين من العوفية يقولون: إذا كفر الإمام فقد كفرت الرعية الغائب منهم والشاهد".
وقال عن فرقة الواقفة من الإباضيّة:"واختلف هؤلاء في أهل دار الكفر عندهم فمنهم من قال: هم عندنا كفار إلا من عرفنا إيمانه بعينه، ومنهم من قال: هم أهل دار خلط فلا نتولى إلا من عرفنا فيه إسلامًا ونقف فيمن لم نعرف إسلامه".انتهى كلامه رحمه الله. [[2] ]
(1) كتاب النبوات (1/ 139)
(2) مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلين للإمام أبي حسن الأشعري (1/ 177 - 195) .