رأس مال صالحي عباد الله حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال: {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت} فضم إلى التحكيم أمرا آخر. وهو عدم وجود حرج: أي حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافيا حتى يكون من صميم القلب عن رضا واطمئنان وانثلاج قلب وطيب نفس، ثم لم يكتف بهذا كله، بل ضم إليه قوله {ويسلموا} [أي يذعنوا وينقادوا ظاهرا وباطنا، ثم لم يكتف بذلك، بل ضم إليه المصدر المؤكد فقال {تسليما} فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم ولا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه، ويسلم لحكم الله وشرعه تسليما لا يخالطه رد، ولا تشوبه مخالفة)[1]
وإذا كان التحاكم إلى شرع الله تعالى شرطا في الإيمان، فإن التحاكم إلى غير هذا الشرع - وهو حكم الطاغوت والجاهلية - ينافي الإيمان، كماقال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا) [2] وكل حكم سوى حكم الله ورسوله هو حكم الطاغوت الذي يجب الكفر به واعتقاد بطلانه والبراءة منه ومن أهله، قال تعالى: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} [3]
وقد سمى الله الذين لا يحكمون بما أنزل كفارا، وظالمين، وفاسقين. فقال سبحانه: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [4] وقال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} [5] وقال عز وجل: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} [6]
ويكون الحكم بغير ما أنزل الله تعالى كفرا ناقلا عن الملة، وناقضا من نواقض التوحيد في الصورة الواقعة في بلاد المسلمين اليوم على يد الطواغيت وهي:
تحكيم القوانين الوضعية:
(1) فتح القدير (1/ 484)
(2) [النساء: 60]
(3) [البقرة: 256] ، وقد سبق الحديث عن ذلك في الفصل السابق (لا يصح توحيد العبد حتى يكفر بالطاغوت)
(4) [المائدة: 44]
(5) [المائدة: 45]
(6) [المائدة: 47]