الصفحة 36 من 98

من المعلوم أنَّ التشريع حقٌ خالصٌ لله تعالى وحده لا يشركه فيه أحد، فالحلال ما أحلَّه والحرام ما حرَّمه والدين ما شرعه، وكما أنَّ الموحد لا يصرف الدعاء والنذر والاستغاثة وغيرها من أنواع العبادة إلا لله تعالى، وكما أنه لا يعتقد أن الخلق والرزق والإماتة والإحياء إلا لله وحده، فكذلك التشريع والتحليل والتحريم يجب أن يعتقد المسلم تفرَّد الله بهذا الحق وأنه لا شريك له فيه، لقوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [1]

يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة) [2] .

ولذا فمن نازع الله في هذا الحق بأن أكسبه لنفسه أو اتبع أحكام المشرعين غير ما شرعه الله فهو مشرك بالله العظيم حيث إنه لم يقر بتفرد الله تعالى بما هو من خصائص ألوهيته جل وعلا، ولذا سمى الله تعالى المتبوعين في غير ما أنزل الله تعالى أربابا لمتبعيهم، فقال سبحانه: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [3]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد قال الله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} ، وفي حديث عدي بن حاتم - وهو حديث حسن طويل رواه أحمد والترمذي وغيرهما - وكان قد قدم على النبي صلى الله علي وسلم وهو نصراني، فسمعه يقرأ هذه الآية، قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال فقلت: بلى قال: فتلك عبادتهم) . وكذلك قال أبو البختري: أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله، فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية ...

(1) [الشورى:21] .

(2) تفسير ابن كثير (4/ 113)

(3) [التوبة:31]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت