الصفحة 37 من 98

فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن عبادتهم إياهم كانت في تحليل الحرام، وتحريم الحلال، لا أنهم صلوا لهم، وصاموا لهم، ودعوهم من دون الله، فهذه عبادة الرجال، وقد ذكر الله أن ذلك شرك بقوله: {لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} ) [1] .

وبين سبحانه وتعالى في كتابه العزيز أن الذين يتبعون أحكام المشرعين خلاف ما أنزله الله أنهم مشركون في عبادته، قال الإمام الشنقيطي -رحمه الله-: (ويفهم من هذه الآية: {ولا يشرك في حكمه أحدا} أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله، وهذا المفهوم جاء مبينا في آيات أخر، كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله:(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) بطاعتهم، وهذا الإشراك في الطاعة، واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى، هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم {يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا} ) [2] .

ويقول عز وجل: {إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله} [3]

يقول ابن حزم عن هذه الآية: (وبحكم اللغة التي نزل بها القرآن أن الزيادة في الشيء لا تكون ألبتة إلا منه لا من غيره، فصح أن النسيء كفر، وهو عمل من الأعمال وهو تحليل ما حرم الله) [4] .

ولنتأمل واقعة حلت بالمسلمين منذ قرون شبيهة بما هو واقع في بلاد المسلمين اليوم من تحكيم للقوانين الوضعية، قال الإمام ابن كثير-رحمه الله تعالى- عند تفسيره لقوله تعالى،: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [5] : (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان

(1) مجموع الفتاوى (7/ 67)

(2) أضواء البيان (4/ 83)

(3) [التوبة: 37]

(4) الفصل (3/ 245)

(5) [المائدة:50]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت