الصفحة 42 من 98

أما التقاضي والمحاكمات فهي لا تقل ضلالا وفسادا عن طريقتهم في العبادة، إذ كانوا ينصبون الطواغيت والكهان وعرافين، يتولون القضاء بين الناس في جميع ما ينشأ بينهم من خلاف وخصومة في الأموال والدماء والفروج وغير ذلك، يقيمون في كل حي واحدا من هؤلاء الطواغيت، وإذا صدر الحكم فهو نافذ لا يقبل النقض ولا التعقيب، على الرغم من كونه جائرا ظالما، فلما بعث الله محمدا صلى لله عليه وسلم بهذه الشريعة المطهرة أبطل هذه العادات، والتقاليد وقضى عليها، وقصر العبادة على الله سبحانه وتعالى، وقصر التقاضي والتحاكم على شرع الله، قال تعالى (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه) الآية، وقوله (إن الحكم إلا لله) قصر الحكم على شرع الله، و (ألا تعبدوا إلا إياه) : قصر العبادة لله سبحانه وتعالى على عبادته سبحانه وتعالى بطريقة هي أبلغ طرق القصر وهي النفي والاستثناء.

ثم إن المستقرئ لكتاب الله يجد في الآيات الكثيرة التي تنص على وجوب التحاكم إلى ما أنزله الله من الشرع المطهر على نبيه صلى الله عليه وسلم:

1 -قال تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ، فهذه الآية الكريمة نص في كفر من عدل عن حكم الله ورسوله إلى غيره.

وقد حاول الجهلة من مرجئة العصر أن يصرفوا دلالة هذه الآية عن كفر الحاكم بغير ما أنزل الله فقالوا: الآية نزلت في اليهود، فلا يشملنا حكمها، وهذا يدل على مدى جهلهم بالقواعد الأصولية التي وضعها علماء التفسير والحديث وأصول الفقه، وهي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا نزل حكم على سبب معين فإنه لا يقتصر على سببه، بل يتعداه، فيشمل كل من يدخل تحت اللفظ، و (مَنْ) في الآية صيغة عموم، فلا يكون الحكم مقصورا على سببه إلا إذا اقترن به نص من الشرع يقصر الحكم على سببه، كقوله صلى الله عليه وسلم لما سأله أحد الصحابة رضي الله عنه: يا رسول الله إنه كانت لي عناق أحب إلىّ من شاة فضحيت بها فهل تجزئني؟ فقال عليه الصلاة والسلام: تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك.

وقالوا أيضا (أي المرجئة) قد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن تفسير هذه الآية (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) فقال ابن عباس: كفر دون كفر، وفي رواية: ليس الكفر الذي يذهبون إليه.

والجواب عن هذا أن نقول: هشام بن حجير راوي هذا الأثر عن طاووس عن ابن عباس متكلم فيه من قبل أئمة الحديث كالإمام أحمد و يحي بن معين وغيرهما، وقد خالفه في هذه الرواية عن طاووس من هو أوثق منه وهو عبدالله بن طاووس، وقد روى عن أبيه أن ابن عباس لما سئل عن تفسير هذه الآية قال: هي به كفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت