قال الإمام البيضاوي:"وعدٌ لعامة المتقين بالخلاص عن مضارِّ الدارين والفوز بخيرهما من حيث لا يحتسبون" [1] .
قال صاحب الظلال:" {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} . . مخرجًا من الضيق في الدنيا والآخرة، ورزقًا من حيث لا يقدر ولا ينتظر. وهو تقرير عام، وحقيقة دائمة، ولكن إلصاقها هنا بأحكام الطلاق يوحي بدقة انطباقها وتحققها عندما يتقي المتقون ربَّهم في هذا الشأن بصفة خاصة، وهو الشأن الذي لا ضابط فيه أحس ولا أدق من ضابط الشعور والضمير، فالتلاعب فيه مجاله واسع، لا يقف دونه إلا تقوى الله وحساسية الضمير" [2] .
{وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) } الطلاق: 3
{وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} : بعد انتهاء المحنة وانجلاء البلاء تأتي المنح والهبات والعِوَض والأعطيات، ويرزق العبد من حيث لا يحتسب.
{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} : من فوَّض إِليه أمره كفاه ما أهمَّه، والأخذُ بالأسباب لا ينافي التوكل، لأنه مأمور به ولكنْ لا يعتمد على تلك الأسباب ويدع التوكل فالله تعالى حسبه وكافيه.
وفي هذا حض على التوكل وتأكيدٌ له، لأن العبد إِذا تحقق أن الأمور كلها بيد الله، توكَّل على الله وحده ولم يعوِّل على سواه.
{إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} أي قد جعل الله لكلِّ أمرٍ من الأمور، مقدارًا معلومًا وميقاتًا لا يتعداه.
قال القرطبي:"أي جعل لكلِّ شيءٍ من الشدة والرجاء أجلًا ينتهي إِليه". [3] .
وفي الآية: بيانٌ لوجوبِ التوكلِ عليهِ تعالَى، وتفويضُ الأمرِ إليهِ لأنَّه إذا علمَ أنَّ كلَّ شيءٍ من الرزقِ وغيرِه لا يكونُ إلا بتقديرِه تعالَى لا يبقى إلا التسليمُ للقدرِ والتوكلُ على الله تعالى.
(1) - ... أنوار التنزيل وأسرار التأويل للإمام البيضاوي 3/ 415.
(2) - في ظلال القرآن 6/ 3608
(3) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18/ 161