الصفحة 24 من 30

قال الإمام الشوكاني: لما ذكر سبحانه ما تقدّم من الأحكام، حذّر من مخالفتها، وذكر عتوّ قوم خالفوا أوامره، فحلّ بهم عذابه، فقال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} " [1] ."

لما بين تعالى جملةً من أحكام الطلاق وما يتعلق به من أحكام، وما يستتبعه من حقوق وواجباتٍ، ذكر من العبر والآيات ما يقرر هذه الأحكام ويحثُّ على الالتزام بها، فحذَّر تعالى من عصيانه وتعدي حدوده، وضرب الأمثال بالأمم السابقة الهالكةِ ممن نكبوا عن صراط الله، وانسلخوا عن شرعته وهداه، فقال {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ} أي وكم من قرى كثيرة {عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} أي طغت وتمردت على أوامر الله وأوامر رسله {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا} والحساب الشديد هو الاستقصاء والمناقشة، فلم تغتفر لهم زلة، بل أخذوا بالدقائق من الذنوب فضلا عن جلائلها.

فعاقبناها على عصيانها وطغيانها بألوان شتى من أليم العذاب، من الجوع والقحط والخوف والهمِّ والأوبئة والأمراض، وتسلط الأعداء، وغير ذلك {وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا} أي عذابًا منكرًا عظيمًا يفوق التصور.

{فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} أي فذاقت عاقبة كفرها وطغيانها وتمردها على أوامر الله.

{وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} أي وكانت نتيجة عتوِّها وتمردها الهلاك والدمار، والخسران الذي ما بعده خسران ..

{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} أي هيأ الله لهم في الآخرة عذابا شديدا فوق طاقتهم، فليحذر كلُّ مخالفٍ لشرع الله، وليحذر أولئك المعادون المناوئون لمنهج الله.

ولمّا ذكر ما حلَّ بالطغاة والعصاة من العذاب العاجل والآجل: أمر الله عباده المؤمنين بتقواه والاعتبار بعاقبة العاتين عن أوامره ورسله، فقال {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا} فاللبيب الأريب هو من اتعظ بغيره {الَّذِينَ آمَنُوا} أي أنتم يا معشر المؤمنين الذين صدقتم

(1) - ... فتح القدير للشوكاني 5/ 246.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت