وهذا من تيسير الإسلام ورحمته بالمطلقة والأرملة أن شرع لها الزواج بعد انقضاء عدتها التي قدَّر لها هذه المدةَ اليسيرةَ رحمةً بها وتخفيفًا عليها ورعايةً لها.
{ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5) }
فهذه الأحكام هي أوامر من الله التي أوجبها لما فيها من الخير والصلاح، ومن يتق الله ويراعي تطبيق هذه الأحكام يكفر الله تعالى له ما سلف من ذنوبٍ ويعظم له الأجر والثواب.
قال الإمام النيسابوري"ومن أسرار القرآن ولطائفه أنه سبحانه حثَّ على التقوى في هذه السورة ثلاثَ مراتٍ: بقوله {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ} وذلك على عدد الطلقات الثلاث، ووعد في كل مرة نوعًا من الجزاء: الأول: أنه يخرجه مما دخل فيه وهو كاره ويتيح له خيرًا ممن طلقها، الثاني: اليسر في الأمور والموالاة في المقاصد ما دام حيًا، الثالث أفضل الجزاء وهو ما يكون في الآخرة من النعماء، ثم حث في التوكل بثلاث جمل متقاربة الخطى: الأولى {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} لأن المعبود الحقيقي القادر على كل شيء الغنيّ عن كل شيء الجواد بكل شيء إذا فوض عبده الضعيف أمره إليه لا يهمله البتة، الثانية {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} أي يبلغ كل أمر يريده ولا يفوته المطلوب، الثالثة {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} أي وقتًا ومقدارًا، وهاتان الجملتان كلٌّ منهما بيانٌ لوجوب التوكل عليه؛ لأنه إذا علم كونَه قادرًا على كل شيء، وعلِمَ أنه قد بيّن وعيّن لكل شيء حدًَّا ومقدَّرًا لم يبقَ إلا التسليمُ والتفويضُ" [1] .
قال تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} الطلاق 6،7
ما زال الحديث موصولا حول ما يتعلق بالطلاق من أحكام وما يترتب عليه من واجبات، وفي هذه الآية الكريمة بيانٌ لما يجب للمعتدة من طلاق رجعيٍّ: النفقة والسكنى على
(1) - غرائب القرآن ورغائب الفرقان لنظام الدين النيسابوري 7/ 175