{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} .
هذه حدودُه تعالى التي حدَّها لعباده رعايةً لحقوقهم وتحقيقا لمصالحهم، ومن تجاوز هذه الحدود وتعداها فقد ظلم نفسه قبل أن يوقع الظلم بغيره.
{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) } الطلاق: 2
{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي فإِذا شارفت المطلقة المعتدة على انقضاء عدتها وقاربت ذلك فالخيار للزوج فيها إن شاء أن يمسكها بمعروف أو يفارقها بإحسان {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي فراجعوهنَّ إِلى عصمة النكاح مع الإِحسان في صحبتهن كما أمر الله، أو اتركوهن حتى تنقضي عدتُهن فيملكن أنفسهن.
والإِمساك بالمعروف هو إِحسان العشرة وتوفيةُ النفقة، من غير قصد المضارة في الرجعة لتطول عليها العدة، والفراق بالمعروف هو أداء الصَّداق، والمتعة عند الطلاق، والوفاء بالشروط مع توفية جميع حقوقها.
{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} أي وأشهدوا عند الطلاق أو الرجعة، شخصين من أهل العدالة والاستقامة ممن تثقون في دينهما وأمانتهما، والإشهاد ليس شرطا لصحة الفراق أو الرجعة بل هو مندوب؛"احْتِيَاطًا لَهُمَا وَنَفْيًا لِلتُّهْمَةِ عَنْهُمَا إذَا عُلِمَ الطَّلَاقُ وَلَمْ يُعْلَمْ الرَّجْعَةُ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ الطَّلَاقُ وَالْفِرَاقُ، فَلَا يُؤْمَنُ التجاحد بَيْنَهُمَا" [1] .
{وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} أي اشهدوا بالحق دون تحيُّز لأحد، مبتغين بذلك وجه الله تعالى {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ِ} أي هذا الذي مرَّ من الأحكام، إِنما ينتفع ويتعظ به المؤمن الذي يخشى الله، ويخاف الحساب والعقاب في الدار الآخرة.
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) } : حضَّ على التقوى في سائر الأحوالِ، ولا سيما فيما سبق من أمر الطلاق، والمعنى ومن يتق الله فيطلق للسنة ولم يضارّ المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد {يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} من الهموم والكروب والكُربِ والمِحَن.
(1) - أحكام القرآن للجصاص 5/ 350