الطيبة، واستجاشة المودة الدفينة، ولا حاجة إلى استبقائها في فترة العدة، فإن قربها منه حينذاك يقطع الوشائج ولا يستحييها!" [1] ."
{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} أي وهذه الأحكام هي شرائع الله ومحارمه {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ُ} أي ومن يخرج عن هذه الأحكام، ويتجاوزها إِلى غيرها ولا يأتمر بها، فقد ظلم نفسه بتعريضها للعقاب، وأضرَّ بها حيث فوَّت على نفسه إِمكان إِرجاع زوجته إِليه، وأضرَّ بها وأخلَّ ببعض حقوقها.
وفي هذا تشديدٌ لكل من يتعدى حدود الله تعالى التي حدَّها في أمر الطلاق، من ذلك طلاق المرأة في حيضها أو في طهر جامعها فيه، و إخراجها من بيتها بغير حقٍّ وفي غير ذلك من المخالفات التي نهت عنها الشريعة، فتلك حدود الله لا يتجاوزها ولا يتعداها إلا من ظلم نفسه فعرَّضها لسخط الله تعالى وأوردها موارد الهلاك.
أما من يقيم حدود الله ويمتثل لأوامر الله ويجتنب ما نهى عنه فإنه يتعرض لرحمة الله ويحظى بلطف الله وينال ثمرة تقواه واستقامته.
{لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} : لعلَّ الله يحدث في قلبه ما يغيرُ حاله، ويرغِّبُهُ في إبقاء زوجته وتقرُّ عينه بها، ويصلح الله بالها، ولعلَّ اجتماعهما تحت سقف واحد يؤلف القلبين وقد قيل:
وأقربُ ما يكونُ الشوقُ يومًا ... إذا دنتِ الخيامُ من الخيامِ
فالأمر الذي يحدثه الله: أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه؛ فيراجعها، وتهبُّ نسائم الموّدة من جديد، وترجع طيور الحب للتغريد في هذا البيت السعيد.
تعالُوا بنا حتى نعودَ كما كنَّا ... فما عهدُنا خنتُم ولا عهدُكُم خُنَّا
ونطوِي بِساطَ العُتْبِ والهَجْرِ والجَفَا ... ونَرْمِي الأَسَى والبينَ ليتَ الأسى يفْنَى
عسى أنْ يعودَ الشملُ والحالُ مثلَما ... عَهِدْنَا وعودُ الوصلِ أثمارُهُ تُجْنَى
ويُنْشِدُ حادِي الحيِّ عنَّا مُتَرْجِمًا ... ألا لا أعادَ اللهُ بيتًا نَأَى عنَّا
أأحبابَنَا طيبوا فلم يكُ ما مَضَى ... سُوَى حُلُمٍ كاللفظِ ليس له معنى
فلا طالَ هجَّانٌ ولا ثَمَّ عاذلٌ ... ولا سَهَرَ المشتاقُ ليلا وقد حنَّا
ولا كان ما قلتُم ولا كان ما قلنا ... ولا بنتمُوا عنا ولا عَنْكُمُو بِنَّا
(1) - في ظلال القرآن 6/ 3605.