ومراعاة ما يتعلق به من أحكام وآداب، حتى يسدل الستار على هذه الحياة وتنطوي تلك الصفحة وتنفصم تلك العروةُ بهدوءٍ وسلامٍ، وعدلٍ وإنصاف، ورفقٍ وإلطاف.
فالطلاق أبغض الحلال عند الله، وهو لبعض الحالات دواءٌ مرٌّ لا مفرَّ منه وعلاجٌ مؤلمٌ لا مندوحةَ عنه، حين يسود النفور ويحتدم الخلاف وتستحيل العشرة وتخفق المساعي بين الزوجين.
والطلاق مرُّ المذاق، والإسلام يهدف إلى إقامته على ميزان دقيق حساس، لسانه العدل وراحَتاهُ الإحسان، وحتى يتحقق ذلك لا بد من اتباع المنهج الشرعي.
وقد اشتملت سورة الطلاق على كثيرٍ من معالم هذه المنهج كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
قال تعالى {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) }
{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ} النداء للنبي - صلى الله عليه وسلم - والحكم عام له ولأمته، وخُصَّ هو بالنداء - صلى الله عليه وسلم - تعظيمًا له.
قال القرطبي: الخطابُ للنبي - صلى الله عليه وسلم - خوطب بلفظ الجماعة {طَلَّقْتُمُ} تعظيمًا وتفخيمًا، والمعنى: يا أيها النبي ويا أيها المؤمنون إِذا أردتم تطليق النساء [1] .
وقال الزمخشري:"... لأن النبي إمام أمته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كذا وكذا، إظهارًا لتقدمه واعتبارًا لترؤسه ..." [2] .
{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} إذا أردتم تطليقهن وعزمتم عليه، {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أي فطلقوهن مستقبلاتٍ لعدتهن، وذلك في الطهر، ولا تطلقوهن في الحيض، قال مجاهد: أي طاهرًا من غير جماع لقوله - صلى الله عليه وسلم: ( ... لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) [3] .
(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18/ 184
(2) - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للزمخشري 4/ 117
(3) - رواه البخاري في صحيحه كتاب التفسير بَاب - باب: تفسير سورة الطلاق. ِ الحديث رقم 4652 والبيهقي في السنن الكبرى 7/ 323، 324