فهرس الكتاب
والغريب من أمر المستشرقين في هذا الموضوع وأمثاله أنهم يشكون في صحة السيرة نفسها، ويتجاوز بعضهم الشك إلى الجحود، فلا يرون في السيرة مصدرًا تاريخيًا صحيحًا، وإنما هي عندهم - كما ينبغي أن تكون عند العلماء جميعًا - طائفة من الأخبار والأحاديث تحتاج إلى التحقيق والبحث العلمي الدقيق، ليمتاز صحيحها من منحولها، هم يقفون هذا الموقف العلمي من السيرة، ويغلون في هذا الموقف، ولكنهم يقفون من أمية بن أبي الصلت وشعره موقف المستيقن المطمئن، مع أن أخبار أمية ليست أدنى إلى الصدق، ولا أبلغ في الصحة من أخبار السيرة، فما سر هذا الاطمئنان الغريب إلى نحو من الأخبار دون النحو الآخر؟!
أيمكن أن يكون المستشرقون أنفسهم لم يبرءوا من هذا التعصب الذي يرمون به الباحثين من أصحاب الديانات؟! [1]
ثم يردف طه حسين ذلك قوله: ولست أدري قيمة هذا النوع من البحث، فمن الذي زعم أن ما جاء في القرآن من الأخبار كان كله مجهولًا قبل أن يجيء القرآن به؟ ومن الذي يستطيع أن ينكر أن كثيرًا من القصص القرآني كان معروفًا بعضه عند اليهود وبعضه عند النصارى،
(1) المصدر السابق، ص 144 - 145.