مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) [22]
ينذر إبراهيم نفسه لمجاهدة الشرك والدعوة إلى التوحيد إلى أن يضيق أبوه وقومه به ذرعا بعد أن سفه أحلامهم وبخس أصنامهم؛ وتحدثنا أسفار متعددة عن الموقف الذي اتخذه قومه اتجاهه، نذكر منه ما ورد في كتاب الخمسينيات في مناسبة هجرة إبراهيم، حيث نسمعه يقول في صلاته:"إلهي أيها العلي إلهي، أنت وحدك إلهي. أنت من خلق الأشياء كلها، وكل ما هو موجود هو من صنع يديك. إنك أنت، (إنها) ألوهتك التي اخترتها. أنقذني من ضر الأرواح الشريرة التي تحكم أفكار القلب البشري فلا تضل هذه الأفكار بعيدا عنك يا إلهي. ثبتني، أنت نفسك، أنا وذريتي إلى الأبد، فلا نضل منذ الآن وإلى الأبد. إنني أتساءل إذا كنت سأعود إلى أور إلى عند الكلدانيين الذين يحاولون إعادتي، أم إذا كنت سأبقى هنا في هذا المكان. ألا اجعل لخادمك سراطا مستقيما سارا أمامك، فيمضي فيه ولا أمشي متبعا ضلال قلبي، آه يا إلهي." [23]
"وعندما انتهى من الكلام والصلاة، وجهت إليه كلمة من الرب عبر وساطتي:"اترك بلدك، وعائلتك وبيت أبيك إلى بلد سأدلك عليه، وسأجعل منك أمة كبيرة وكثيرة. سأباركك وأجعل منك اسما عظيما. ستكون مباركا على الأرض، وبك ستتبارك شعوب الارض كلها. يأبارك مباركيك وألعن الذين سيلعنونك. وسأكون إلهك، لك ولابنك ولابن ابنك ولذريتك كلها. فلا تخش شيئا بعد الآن، على مدى أجيال الأرض، فإنني إلهك." [24] "
إن خروج إبراهيم من أرضه وعشيرته وبيت أبيه كان بسبب الاختلاف في المعتقد، وبسبب مجاهدة إبراهيم لأبيه وقومه وملكه في موضوع الشرك والتوحيد؛ وتذكر لنا أسفار أخرى أن المواجهة بلغت إلى حد إلقائه في النار وإنجاء الله له منها؛ فقد جاء في الآثار التوراتية:
"قام أبرام في الليل وأشعل منزل الأصنام. أحرق كل ما كان يوجد فيه، ولم يره أحد. وقام (الآخرون) في الليل وحاولوا إنقاذ آلهتهم. وأسرع حران لنجدتهم فاشتعلت النار فيه فاحترق ومات في أور الكلدانيين. وترك تراخ أور الكلدانيين، هو وأبناؤه، وذهب قاصدا بلد لبنان وبلد كنعان. وأقام في بلد حران. وأقام أبرام مع تراخ أبيه في بلد حران تسعة أسابيع من السنوات." [25]
ورغم محاولة إخراج أبي إبراهيم معه في هذا النص إلا أن موضوع اعتداء إبراهيم على معبد قومه سواء بالإحراق كما ورد في هذا النص، أو بكسر الأصنام أو هدم المعبد كما ورد في نصوص أخرى، كان موضوعا أساسيا من مواضيع الاعتقاد الذي سجلته الآثار والكتب اليهودية، ولا يزال كثير من تفصيلاته في كتب قانونية، بدّلت فقط اسم إبراهيم بأسماء أخرى منها"جدعون"، واحتفظت بمضامين القصة كما هي، ومن ذلك قصة جدعون الذي طلب منه الإله أن يهدم مذبح البعل ويبني بيت الله: