بيت للعالمين، ليقيم الناس الصلاة ويأخذوا عن إبراهيم وذريته مناسكهم ويخلصوا العبادة له ولا يشركوا به شيئا؛ كما تضمن الحديث القرآني عن هذه المرحلة مراجعة نقدية لما عند أهل الكتاب فيما يخص إبراهيم الخليل وذريته وملته وأولى الناس به وغيرها.
وأما النص التوراتي القانوني والذي تحدث بشكل مستفيض عن إبراهيم وذريته في سفر التكوين خصوصا وذكّر بلمحات من قصته في أسفار أخرى؛ فيحتوي على ما يزيد على 11600 كلمة تتعلق بهذه القصة؛ أغلبها وردت بعد هجرته من أرض أبيه وعشيرته، أي ما يزيد على 98 %؛ بينما ورد الحديث عن المرحلة الأولى قبل الهجرة، في أسفار أخرى شفوية أو غير قانونية عند أهل الكتاب، ومن ذلك رؤيا أبراهيم، وكتاب الخمسينيات والآثار التوراتية، كما تحدثت الهاكاداة والتلمود على هذه المرحلة بتفصيل كثير، يتوافق كثيرا مع ما جاء في القرآن الكريم.
وحتى لا تأخذنا التفاصيل فتخرج بنا عن بيان الإضافة النوعية القرآنية في هذا الموضوع، فإننا نسجل على النص التوراتي القانوني أولا تغييب الأساس العقائدي والديني والإنساني في القصة؛ حيث تبدأ قصة إبراهيم في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين بالحديث عن خروج إبراهيم من أرضه وعشيرته وبيت أبيه، دون أن تذكر لنا الأسباب الداعية له إلى هذا الخروج؛ بل إن الهجرة المذكورة -تبعا للنص القانوني- كانت قبل الأمر بها من الله، وكان الخارج هو أبو إبراهيم نفسه بابنه إبراهيم وزوجته وابن أخيه لوط:""
(31) وَاخَذَ تَارَحُ ابْرَامَ ابْنَهُ وَلُوطا بْنَ هَارَانَ ابْنَ ابْنِهِ وَسَارَايَ كَنَّتَهُ امْرَاةَ ابْرَامَ ابْنِهِ فَخَرَجُوا مَعا مِنْ اورِ الْكِلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا الَى ارْضِ كَنْعَانَ. فَاتُوا الَى حَارَانَ وَاقَامُوا هُنَاكَ.
(32) وَكَانَتْ ايَّامُ تَارَحَ مِئَتَيْنِ وَخَمْسَ سِنِينَ. وَمَاتَ تَارَحُ فِي حَارَانَ." [1] "
لكن هذا الخروج المشار إليه في الإصحاح الحادي عشر لما كان قبل الوحي الإلهي لإبراهيم في الإصحاح الثاني عشر، أفرغه من بعده القدسي، وجعله عملا تلقائيا يقوم به الأب تارح المفترض الابتعاد عنه وترك بيته:
" (12:1) وَقَالَ الرَّبُّ لابْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ ارْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ ابِيكَ الَى الارْضِ الَّتِي ارِيكَ. (2) فَاجْعَلَكَ امَّةً عَظِيمَةً وَابَارِكَكَ وَاعَظِّمَ اسْمَكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً. (3) وَابَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَلاعِنَكَ الْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الارْضِ» ." [2]
ولعل غاية هذا التنفيذ القبلي للأمر الإلهي هي محاولة كتمان حقيقة الأب والعشيرة التي كانت كافرة ومشركة، ولذلك لم يتحدث سفر التكوين عن هذا الأمر إلا عرضا، بينما سجلته أسفار كتابية عديدة حُكم عليها بكونها منحولة أو أبوكريفا؛ ولا زالت آثارها باقية في ثرات كتابي كثير، نجده في التلمود والهاكاداه والمدراش والقبالاه، ولم تخل منه النصوص القانونية نفسها؛ حيث نجد في سفر يشوع:". (2) وَقَالَ يَشُوعُ"