الصفحة 7 من 44

يدرك القدرة الإلهية على بعث الحياة في قطع ميتة يبعد بعضها عن بعض بأميال عديدة، فتحيى وتطير.

إن آية إبراهيم كما تلاها علينا القرآن الكريم تصدق ما جاء في الكتاب المقدس في شأنها، ولكنها في نفس الوقت تبين ما أراد المنكرون للبعث أو الحساب أو اليوم الآخر كتمانه، وتبين ما ألبسوا فيه الحق بالباطل وكتموا الحق وهم يعلمون لأنه لا يتماشى مع عنصريتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان.

إن الرجوع إلى النصين السابقين ومقارنتهما بالنص القرآني ليكشف لنا أن البعد الغيبي وخصوصا الآخرة فيه قد حاول المنكرون له كتمانه، ووضع مفاهيم أخرى محله ونسبتها إلى الله عز وجل، ولكن البحث والدراسة والمقارنة تبين كل محاولات التزوير والتحريف الفاشلة، كما تكشف الأخطاء التي يقع فيها الكتاب والرواة، والإضافات التي يضعها النساخ أو الشراح والمفسرون وغيرهم، عن قصد أو عن خطإ، وبالمقارنة نستطيع معرفة العوامل الإنسانية المؤثرة في تدوين النصوص وترجمتها وتوثيقها وغير ذلك.

كما أن هذه المقارنة تجيب على سؤال محوري لم يجد بعد الإجابة الوافية عليه، وهو قولهم إن القرآن الكريم قد أخذ من كتب اليهود والنصارى القانونية والأبوكريفا وصاغها بلسان عربي؟ والصحيح أن للقرآن الكريم قراءة جديدة عميقة لما جاء في الكتب المقدسة يصدق الحق الموجود فيها ويؤكده، ويبين الدخيل المرتبط بالأحوال الخاصة للناس في الأزمنة المختلفة ويرده إلى قائليه؛ نفس الأمر يمكن تطبيقه على البعث واليوم الآخر في الكتب المقدسة، فهو أصيل جاء به الأنبياء جميعا، وهو منصوص عليه بكثرة ودقة في كل الكتب المقدسة، وكان كل نبي يعيد له الاعتبار بعد أن يكون الناس قد طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وتركوه، ولم يظهر في زمن معين متأخر كما ذكره لنا الدارسون الذين يقرأون الكتب في ترتيبها التاريخي، منطلقين من فرضية أن الوحي والدين نتاج اجتماعي يعبر على تطور الفكر البشري؛ وإنما هناك أسس خالدة أوحى الله بها إلى رسله جميعا، وهناك فهم وفكر وعلم ومعرفة تتطور عبر الزمان، ولا يفترض أن هذه الأسس الخالدة قد اكتشفها العقل البشري في تاريخ الإنسان ولم يوح بها الله في كتب الأديان.

ونتناوله من خلال قصة إبراهيم مع أبيه وقومه في هدم مذبح البعل وبناء بيت الله.

رغم محاولة الإخفاء البينة لموضوع التوحيد والشرك الذي تمثله قصة إبراهيم مع أبيه قبل الهجرة، في النصوص القانونية، إلا أن سفر يشوع بين لنا بما لا يقبل المراء أن إبراهيم قد ترك أباه وقومه وذهب إلى الأرض المباركة للعالمين هروبا من شركهم ونجاة من كيدهم؛ وهو ما سنتعرض له في هذه الفقرة الثانية من المبحث الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت