إسحاق ويعقوب والأسباط وأدوا فيه المناسك، وهو الموجود بأرض بكة حيث دفنت دبورة مرضعة رفقة وغيرها من الأنبياء والصالحين من بني إبراهيم وإسرائيل.
ولهذا فإن"بيت إيل"بالعبري لا تعني إلا"بيت الله"بالعربي وهو الموجود ببكة أو مكة، وهو مكان الحج الذي لا يزال الناس يقصدونه إلى هذا اليوم، تصديقا لما جاء في الكتاب المقدس من أن هذه الفريضة ستكون فريضة دهرية، تقام من سنة إلى سنة، في المكان الذي اختاره الله، وإن لم يكن أئمته من بني إسرائيل.
قبل أن نبدأ في تفصيل وتحليل ومدارسة النصوص المختلفة المتحدثة عن هذا الموضوع، لابد من التوقف مليا عند المكان الذي اختاره الله لهجرة إبراهيم والتعرف على ملامحه وإدراك خصائصه، التي تعرضت - لأسباب كثيرة - إلى محاولات الكتم والإخفاء والتغيير والتزوير وإلباس الحق بالباطل؛ لكن قوة الحقيقة دائما تغلب محاولات تغطيتها مهما طغت، فتدمغها فإذا هي زاهقة.
إن هدف إخراج إبراهيم من أرضه وعشيرته وبيت أبيه هي نشر البركة في الأرض ومباركة جميع الأمم، وهو ما نجده في الخطاب الإلهي إلى إبراهيم:
وَقَالَ الرَّبُّ لابْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ ارْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ ابِيكَ الَى الارْضِ الَّتِي ارِيكَ.
فَاجْعَلَكَ امَّةً عَظِيمَةً وَابَارِكَكَ وَاعَظِّمَ اسْمَكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً.
وَابَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَلاعِنَكَ الْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الارْضِ» [45] .
وهو ما قام به إبراهيم فعلا، مستجيبا لأمر ربه، وتاركا أرضه وعشيرته وبيت أبيه وذاهبا إلى الأرض التي سيريه الله.
ويحدثنا سفر التكوين عن هذا الخروج، بقوله:
فَذَهَبَ ابْرَامُ كَمَا قَالَ لَهُ الرَّبُّ وَذَهَبَ مَعَهُ لُوطٌ. وَكَانَ ابْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ.
فَاخَذَ ابْرَامُ سَارَايَ امْرَاتَهُ وَلُوطا ابْنَ اخِيهِ وَكُلَّ مُقْتَنَيَاتِهِمَا الَّتِي اقْتَنَيَا وَالنُّفُوسَ الَّتِي امْتَلَكَا فِي حَارَانَ. وَخَرَجُوا لِيَذْهَبُوا الَى ارْضِ كَنْعَانَ. فَاتُوا الَى ارْضِ كَنْعَانَ. [46]
وأول ملاحظة يمكن تسجيلها على هذا النص، هو أن حاران لم تكن أرض إبراهيم ولا أرض عشيرته ولا بيت أبيه، وإنما كانت هي المكان الذي توجه إليه إبراهيم في هجرته من أرضه وعشيرته وبيت أبيه في أور الكلدانيين، وهو ما حدثنا عنه الإصحاح الحادي عشر بقوله:
"وَاخَذَ تَارَحُ ابْرَامَ ابْنَهُ وَلُوطا بْنَ هَارَانَ ابْنَ ابْنِهِ وَسَارَايَ كَنَّتَهُ امْرَاةَ ابْرَامَ ابْنِهِ فَخَرَجُوا مَعا مِنْ اورِ الْكِلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا الَى ارْضِ كَنْعَانَ. فَاتُوا الَى حَارَانَ وَاقَامُوا هُنَاكَ. (32) وَكَانَتْ ايَّامُ تَارَحَ مِئَتَيْنِ وَخَمْسَ سِنِينَ. وَمَاتَ تَارَحُ فِي حَارَانَ." [47]