الصفحة 35 من 44

هكذا إذن يصبح بيت الله الحرام الذي بناه إبراهيم، ويصبح الحج إليه وتعظيم شعائره وحرماته والاتجاه إليه بالصلاة من جملة الملة الإبراهيمية، لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه في الدنيا والآخرة.

هناك نصوص قرآنية عديدة ناقشت أهل الكتاب في دعاواهم العنصرية والمذهبية الباطلة التي نسبت إلى إبراهيم، وردتهم إلى ما انزل الله في الكتاب وطلبت منهم أن يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، ودعتهم إلى الملة الإبراهيمية الواحدة، التي لا تنفك فيها العقيدة عن الشريعة والتوحيد عن المناسك، وإلى الكلمة السواء التي تجمعهم مع المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم.

وهناك إصرار كتابي على إبعاد غير اليهود من الإرث، بدءا من بكر إبراهيم الذي أخرج هو وأمه لئلا يرث مع أخيه إسحاق، ومرورا بنزع البركة من عيسو حتى لا ينافس أخاه يعقوب، وانتهاء بطرد جميع الشعوب وإبادتها حتى يتمكن أسباط الشعب المختار من تقسيم أرض الميعاد؛ ويقابل هذا الإصرار الكتابي هناك إصرار قرآني على وحدة الملة والدين والمناسك والبركة والقيم والنفس الإنسانية وعلى إعادة بناء المفاهيم الدينية وفقا لهذه الوحدة.

أما الحديث النبوي، والذي نطلع عليه من خلال الحديث عن إبراهيم في أحاديث البخاري، فيمكن تناوله من خلال ثلاث قضايا أساسية:

القضية الأولى

46،6 في المائة مما أورده البخاري في شأن إبراهيم يتعلق بأمور غيبية، يمثل موضوع الشفاعة منها 19،5 في المائة، ويمثل موضوع العروج إلى السماء 17 في المائة منها؛ إلا أن الكلام عن إبراهيم في هذين الموضوعين لم يمثل إلا جزءا ضئيلا منهما؛ حيث ذكر إبراهيم في موضوع الشفاعة ذكرا خافتا جدا، إذ لم يستطع أن يشفع لأحد من الناس الذين توجهوا إليه من أجل ذلك، بسبب كذباته الثلاث التي كذبها.

وكذلك الأنبياء الآخرون إلا محمدا صلى الله عليه وسلم لما أذن له ربه.

وأما في موضوع المعراج فكان حضوره باهتا كذلك، فمحمد صلى الله عليه وسلم يلقاه في إحدى السماوات فيسلم عليه إبراهيم ويرحب به، ولا يقوم بشيء آخر أكثر من ذلك؛ بينما يأتي الحديث عن البيت المعمور في نفس السياق، لكنه بدل أن يربط بإبراهيم وبحج الناس إلى هذا البيت الذي بناه، فإنه يربط بالملائكة الذين يأتون إليه من غير انقطاع حتى أن من جاء إليه منه مرة لا يعود إليه أبدا. ويلاحظ أن لموسى في هذا الحديث مكانة في الدين أكبر من مكانة إبراهيم، فعندما فرض الله على المؤمنين خمسين صلاة تدخل موسى ليخفف عن الأمة عددا من المرات، في كل مرة يحط عنها خمس صلوات، تماما مثلما هي مجادلة إبراهيم للملائكة في شأن قوم لوط لترك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت