يمكن أن نسجل في هذا الخطاب الإلهي أمرا لإبراهيم بالمشي في الأرض طولا وعرضا؛ ولا علاقة لهذا المشي بامتلاك الأرض التي شغلت الذهن اليهودي، والكاهن والمفسر الكتابي، وفرضت عليه أن يفهم كل أوامر الله وشرائعه في إطار تحقيق الأماني والأحلام اليهودية الأرضية. وإنما يرتبط هذا المشي بالهدف الذي جاء من أجله إبراهيم إلى الأرض المباركة؛ وهو ما يفسره السلوك الإبراهيمي استجابة لأمر ربه: لقد نقل خيامه وأتى وأقام عند بلوطات ممرا، وبنى هناك مذبحا للرب؛ ولا يختلف الأمر الإلهي لأبرام في هذه المقاطع [56] ، بالمشي في الأرض طولها وعرضها، عن قول لوط السابق لأبرام بالذهاب في الأرض شمالا وجنوبا، وعن النص الذي قبله المتحدث عن السعي المتوالي في أرض الجنوب، فهو كله تعبير عن طقس السعي المتوالي بين الصفا والمروة في المكان المقدس، ولذلك فقد استجاب أبرام لربه ونقل خيامه وأتى إلى بلوطات ممرا، (والتي هي المروة) ، وقد عبر عنها في النص الأول ب"بلوطة مورة""وَاجْتَازَ ابْرَامُ فِي الارْضِ الَى مَكَانِ شَكِيمَ الَى بَلُّوطَةِ مُورَةَ"؛ وبدأ في القيام بشعيرة السعي، ثم قام بباقي الشعائر، والتي منها بناء مذبح للرب، وهو ما يعني تقديم ذبيحة أوصلاة.
ويواصل سفر التكوين تحديثنا عن هذا المكان المقدس والذي هو بيت الله وباب السماء، مبينا لنا، كما سبق وأوردناه، أن نبي الله يعقوب هو الذي اكتشف هذا المكان المقدس، عندما رأى فيه حلم الملائكة الصاعدة والنازلة إلى السماء من هذا البيت، وأنه هو الذي دعى اسمه"بيت إيل"؛ وإن كانت النصوص الأخرى تبين أن المقصود في هذا النص هو إبراهيم وليس يعقوب؛ ومهما يكن فقدسية المكان كانت قبل نبي الله يعقوب واستمرت بعده، وطقوس العبادة في هذا المكان بقيت فريضة أبدية على كل المؤمنين بالله في جميع الأمم، لكون هذا المكان هو مكان البركة العالمية لجميع أمم الأرض. وإن قراءة سريعة لأسماء المواقع المذكورة في هذا النص لتؤكد لنا كل ما سبق ذكره من كون الأسماء الواردة مرتبطة بهذا المكان إنما هي أسماء شعائر وليس أسماء بلدان أو مدن أو أمم أو شعوب أو غيرها، وإنما أسماء أماكن مقدسة اتخذت مناسك وشعائر يعظمها الناس ويحجون إليها في كل سنة من أجل عبادة الله وإقامة شعائره وشرائعه؛ وهذا ما جاء في النص المتحدث عن هذه الأمور: