لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: «هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ: آبَاؤُكُمْ سَكَنُوا فِي عَبْرِ النَّهْرِ مُنْذُ الدَّهْرِ. تَارَحُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو نَاحُورَ, وَعَبَدُوا آلِهَةً أُخْرَى. (3) فَأَخَذْتُ إِبْرَاهِيمَ أَبَاكُمْ مِنْ عَبْرِ النَّهْرِ وَسِرْتُ بِهِ فِي كُلِّ أَرْضِ كَنْعَانَ, وَأَكْثَرْتُ نَسْلَهُ وَأَعْطَيْتُهُ إِسْحَقَ." [3] ونجد في نفس الإصحاح من سفر يشوع قوله:"14 فَالآنَ اخْشُوا الرَّبَّ وَاعْبُدُوهُ بِكَمَالٍ وَأَمَانَةٍ, وَانْزِعُوا الآلِهَةَ الَّذِينَ عَبَدَهُمْ آبَاؤُكُمْ فِي عَبْرِ النَّهْرِ وَفِي مِصْرَ, وَاعْبُدُوا الرَّبَّ. (15) وَإِنْ سَاءَ فِي أَعْيُنِكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا الرَّبَّ, فَاخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمُ الْيَوْمَ مَنْ تَعْبُدُونَ: إِنْ كَانَ الآلِهَةَ الَّذِينَ عَبَدَهُمْ آبَاؤُكُمُ الَّذِينَ فِي عَبْرِ النَّهْرِ, وَإِنْ كَانَ آلِهَةَ الأَمُورِيِّينَ الَّذِينَ أَنْتُمْ سَاكِنُونَ فِي أَرْضِهِمْ. وَأَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ الرَّبَّ» ." [4] وإن المتأمل في هذين النصين يتأكد له أن خروج إبراهيم من أرضه وعشيرته وبيت أبيه لم يكن خروجا تلقائيا، وإنما كان هجرة لما عبده أبوه وقومه من آلهة أخرى، وإنجاء لإبراهيم من بطش المشركين من قومه إلى أرض جديدة سيكون فيها إبراهيم مصدرا للبركة العالمية؛ حيث تتبارك فيه جميع قبائل الأرض."
وخلاصة القول أن جزءا أساسيا من قصة إبراهيم قد تم التغاضي عنه وإخفاءه لصالح آباء إبراهيم في عبر النهر، لكن هذا الإخفاء فضحته نصوص قانونية أخرى بينت أن آباء إبراهيم وقومه كانوا مشركين وعبدوا آلهة أخرى؛ وفضحته نصوص شفوية وأخرى في التلمود والهكاداه والمدراش والقبالاه ذكرت كثيرا من تفاصيل هذه المرحلة من حياة إبراهيم الخليل؛ وخلاصتها أن أبا إبراهيم وقومه كانوا مشركين، وكان أبوه يصنع الأصنام ويبيعها، وكان إبراهيم يناقش أباه وقومه في نفعها والجدوى منها، وأنها من صناعة أيدي الناس فعليهم ألا يعبدوها لأنها باطلة والعابدون لها حمقى؛ وطرأت له في هذا الشأن مجادلات كثيرة مع أبيه وقومه وملكه، بين لهم إبراهيم من خلالها أن ما يفعلونه ضلال، وأن عليهم أن يعبدوا الله الذي خلق كل شيء وحمّر الشمس، وجعل القمر والنجوم وأعطى الإنسان حياته وإذا مرض شفاه وإذا احتاج أعطاه وهو على كل شيء قدير.
ولم ترُق لأبي إبراهيم وقومه دعوته، فقرروا بعد أن قام هو بكسر أصنامهم أن يلقوه في النار، فأنجاه الله منها هو ولوط إلى الأرض المباركة للعالمين.
أربعون في المائة من حديث القرآن الكريم عن إبراهيم، كان حديثا عن هذه المرحلة من تجربته، وهو يسعى إلى المعرفة والعلم والرشد؛ ورغم أن المرحلة ذاتها كانت شبه مغيبة عن النص التوراتي الرسمي؛ إلى أن عملية المراجعة النقدية التي وجهنا لها القرآن الكريم، والتي جعلها من أعظم مهام رسوله صلى الله عليه وسلم، عندما قال عنه:"قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير، قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين"؛ أمكنها أن تساعدنا كثيرا على اكتشاف النصوص المخفية في ثنايا الأسفار القانونية الرسمية؛ وهو ما سنحاول الإطلاع عليه في المبحث الأول من هذه الدراسة؛ والذي سنعالجه من خلال مثالين:
يتعلق الأول بموضوع البعث وإحياء الموتى ونتناوله من خلال قصة إبراهيم والذبائح.