وهذا الحديث لم يروه عن الربيع بن أنس غيره، فلا يقبل تفرّده به، فلربما أخطأ سيئ الحفظ فأدخل طرفًا من حديث رجل في حديث آخر، فلهذا لا يقبل تفرّده، بل لابدّ أن يروي الأثر عن من رواه عنه آخر أقلّ أحواله أنّه يكتب عنه، كيف وقد نصّ الحفّاظ بأنّ كلّ رواية لأبي العالية منكرة فإنّها من طريقه! ومن هنا يتبيّن وجه قول ابن كثير عن الأثر:"وفيه غرابة".
أمّا الطرق الأخرى المرفوعة فهي في معرض تفسير الآية: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم) الآية، وهي أيضًا ضعيفة كما ذكر الحافظ بن كثير، ولا تصلح شاهدًا للأخرى، فهي من رواية خليد بن دعلج، وسعيد بن بشير عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، وهي طرق مليئة بالطرق القادحة، وإليك بعضها:
خليد بن دعلج ضعيف، ولاسيّما إذا حدّث عن قتادة فقد أثرت عنه مناكير (انظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 3/ 384) ، وقد ضعّفه أحمد ويحيى بن معين، وقال الدار قطني متروك، وقال ابن حبان كثير الخطأ، ورجّح ابن حجر ضعفه، وكذلك الذهبي وغيرهم مثله لا يتابع على حديثه.
أمّا سعيد بن بشير فالقول ما ذهب إليه الحافظ بن حجر، قال في التقريب 234:"لعلّ الأرجح فيه أنّه ضعيف في روايته عن قتادة، ليس بالقوي، يكتب حديثه عن غيره". وقد قال ابن نمير (الجرح والتعديل 4/ 6) :"سعيد بن بشير منكر الحديث، وليس بشيء، ليس بقوي الحديث، يروي عن قتادة المنكرات"، وبهذا علم ضعف الأثر المرفوع من طريق قتادة، فسعيد ليس بشيء فيه، فلا ينجبر برواية غيره عنه، فكيف إذا كان الراوي الآخر منكر حديثه عنه مع ضعفه.
ومن العلل في هذا الطريق أيضًا مخالفة خليد وسعيد لمن رووا هذا الأثر عن قتادة ممّن هم أوثق منهما، كأبي هلال وسعيد ابن أبي عروبة، فخالف هؤلاء الثقات فرفعوه وبهذا تتحقق نكارة ما ذكرا.
ومن علل هذا الحديث، التي يضعف بها ولو صحّ عن قتادة، وهو بعيد عن أهل الصناعة، أنّه من رواية الحسن عن أبي هريرة، وقد نصّ الحفّاظ على أنّه لم يسمع منه (انظر سير أعلام النبلاء 4/ 566) ، قال أبو زرعة الرازي، كما في المراسيل ص 36:"لم يسمع الحسن من أبي هريرة ولم يره. فقيل له: فمن قال حدّثنا أبو هريرة؟ قال: يخطئ."