الصفحة 17 من 38

هذا فيما يتعلق بمن رأى رسول الله -صلى الله و بارك عليه- مؤمنًا او راه هو مؤمنًا. و اما الذين من بعدهم فيقال في ضبطهم ما سبق في شأن اولئك. و اما في عدالتهم فيكفي ما قرره اهل الحديث، اذا زدنا في اسباب الجرح و التعديل تساهل المتساهلين من اهل الجرح و التعديل؛ بل ان رعاية الاحتياط لدين الله تقتضي ان يؤخذ باراء اهل التشدد، الا اذا ظهر ان الرأي من التعنت و التحكم.

و مما يؤسف اولي الالباب ما شاع بين المتاخرين من اهل الحديث و غيرهم من ان رجال الشيخين جازوا القنطرة. و لئن كان يركن الى هذا من يؤثرون راحة التقليد على مشقة الاجتهاد، ما يكون لمن لم يقرنوا في اصفاد الكسل الذهني و لم تفت في سواعدهم مهابة الذين من قبلهم ان يقبلوه؛ فانه قول ما عند اهله به من سلطان. يقولون: قد أجمعت الامة على أن الصحيحين أصح كتابين بعد كتاب الله. فنقول: نعم، قد حصل الاتفاق على ذلك؛ و لكن هذا لا يدل على المدعي؛ فانهم لم يتفقوا قء على أن كل ما فيهما صحيح؛ فلم يلزم الاتفاق على ان كل رجالهما جامع بين العدالة و الضبط؛ بل لعلك لا تجى محققًا الا جاء بخلاف ذلك و ما اكثر ما يدعي الاجماع في مواطن الاجتهاد، و ما ثمة الا اتفاق القاعدين؟!

و لعمر الحق ان القول بأن رجال الشيخين قد جازوا القنطرة لتحميل للشيخين حملًا ما كانا ليتحملاه، بل يقتضي حسن الظن بهما أن نقول انهما ما كانا ليقدما على ما فعلا لو كانا يعلمان ان الناس يتحمله ما لا يحمله الا امة. بيان ذلك ان الناس قد زعموا ان التبيين الذي انزل الى رسول الله الذكر للقيام به، بيان مراد الله من كلمات هداه، بناء على ان كلام الله لا يُفْقه-بزعمهم. الا ان يقترن به قول أو فعل أو تقرير من رسول الله-عليه صلوات الله و بركاته- و واضح ان من ينزل كلام الله هذه المنزلة يوقف محاولة فقه كلام الله على الاطلاع على يروي عن رسول الله و دين الله انما يؤخذ من كلام الله و من حياة رسوله فان يكن كلام الله انما يفقه بتبين مما يروي عن رسوله؛ يلزم ان لا يؤخذ دين الله الا من الروايات؛ و من تسلم ان القول في الروايات نفيا واثباتًا ما قال الشيخان، فقد قال بان دين الله لا يؤخذ الا منهما و هن يظن بمؤمن انه يتحمل مثل هذا الحمل العظيم، فيسوغ لنفسه ان يحمله الشيخين؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت