الصفحة 16 من 38

و اما الضبط فله -كما لا يخفى. ثلاث مراحل: التلقي و الحمل و الاداء. و قد احسن اهل الحديث في بيان الضوابط و القواعد المتعلقة بالحمل و الاداء. و اما في بيان ما يتعلق بالتلقي، فعندي أنهم لم يوفوا الامر حقه.

و ذلك ان لكل كلام لفظًا و مدلولًا لغويًّا و غرضًا و المقصود بالذات من الثلاثة الغرض، و اما الاولان فانما هما وسيلتان الى ذلك فمن كان من اهل اللسان المتكلم به، و ادرك غرض الكلام و فقهه، فقد تلقاه؛ و لا يعسر عليه ا يحمله ثم يؤديه اذا شاء اداء يمكن السامع من قه، سواء رواه بلفظه الذي سمعه ام بغير ذلك. و اما من لم يفقه الكلام فانه لا يؤمن ان يخطيء في ادائه و لو رواه بلفظه الذي سمعه. و ذلك ان اداء الغرض لا يكفي فيه. في كثير من الاحيان-اللفظ و الدلالة اللغوية؛ بل يكون معتمدًا -كذلك- على تمهيد من حال السامع و الظرف الذي هو فيه، و على مساعدي من طريقة المتكلم في الالقاء. فاذا تصدى من سمع كلامًا لروايته فانه عليه ان يتصرف في المروي تصرفًا يتادى به الغرض؛ و لا يجوز له الاقتصار على نقل اللفظ المسموع، الامر الذي قد يؤدي إلى غير ما اراد المتكلم.

هذا و لا يخفى ان في هدى الله مفاهيم غريبة على اهل الجاهلية الذين يواجههم الهدي؛ و لكلمات الهداية الربانية اغرضًا هي غير مالوفة للفاغلين الذين يدعون الى الله و لابد -في حصول الاقتدار على ادراك تلك الاغراض و تلك المفاهيم- من صحبة طويلة لمن جاء بالهدى. و لا يستوي ابدًا الذين قد جعلهم طول صحبتهم للداعي يعلمون ماذا يؤدي هو من الاغراض و كيف يؤدي ما يؤدي و الذين ما وقع لهم الالقاءات عابرة و زيارات عارضة لا تحدث في الغالب -الاقتدار المذكور. و اذا نظرنا الى غير مجال رواية احاديث النبوة من مجالات الفنون و الصناعات، رأينا ان هذا الامر يراعي فيها. في غالب الاحيان. حق الرعاية، فلا يسوغ احد لنفسه ان يتلقى اراء خبير في فن الفيزياء -مثلًا- الا من اصحاب ذلك الخبير المختصين و تلاميذه الملازمين؛ و يأبى ان يتلقاها من غير اولئك و لو كان من أصدق الناس؛ افليس هدى الله باولى برعاية هذا الامر؟! ايفرق بين صاحب ملازم و زائر عابر في تلقي اراء فيزياوية؛ و يسوي بين من قضوا في صحبة رسول الله سنين و بين من لم يره الا في زيارة ملمة في عام الوقود او في ايام حجة الوداع في تلقي احاديث النبوة الا ممن لازم رسول الله -صلى الله و بارك عليه و على آله- ملازمة مكنه من فقه كلماته و ادراك غايات افعاله و تقريراته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت