ثم إن الحقائق التي لابد من الايمان بها ثابتة غير متطورة، فيكون بيانها في زمان من الازمنة بيانًا لها في كل زمان؛ و محصورة -كذلك- فلا يكون الكلام المتبين لها من الكثرة بحيث يكون على الإنسان في تكليفه بتلقيه في كتاب هدى حرج؛ فلذلك لم يغادر كتاب الله في مجال تبيانها صغيرة و لا كبيرة الا احصاها، فمن اراد أن يؤدي ما عليه في مجال الاخذ فعليه بكتاب الله، و لاي مكن ان يصح في هذا المجال من الاحاديث المروية الا ما هو تبين لها في كتاب الله بعبارات آخر كان يقتضيها التبين لبعض الناس. و ما لم يكن كذلك مما يصح سنده و لا يخالف ما في كتاب الله، فلسنا مكلفين بالايمان بمدلوله؛ فانه لا يكلف بالايمان الا بما يتمكن الإنسان من ان يوقن به ايقانًا؛ و واضح ان الحديث الصحيح غير المتواتر لا يعطي الظن.
و التزكية. بالترهيب و الترغيب. اما بالتذكير بما قد وقع للاولين من السواي و الحسنى؛ و اما بالتنبية إلى ما في الحال من العقوبة و العافية؛ و اما بالاشارة الى ما سيقع في المستقبل في الدنيا من المجازاة و الجزاء، او ما سيقع عند الموت و في البرزخ و يوم القيامة و في النار و الجنة، و هذه الامور كالحقائق الايمانية في الثبات و الحصر، اللذين يستلزمان أن ينزل في كتاب الهدى كل ما يتعلق بها من البيان؛ و قد وقع ذلك فانه ليس هناك من الترهيب و الترغيب ما تكون النفس في تزكيتها بحاجة اليه الا جاء في كتاب الله فمن اراد أن يقوم بما قد كلف به في تزكية نفسه او تزكية غيره فعليه بكتاب الله - ايضًا- و لا يجوز ان يصح في هذا المجال -كذلك- من الاحاديث الا ما هو تذكير بما قد ورد التذكير به في كتاب الله بعبارات آخر كان يقتضيها ما عليه بعض الناس.
و اصول العمل الصالح و قواعده الكلية -كذلك- ثابتة و محصورة فلذلك جاء بيانها كلها في كتاب الله. و لأن كل اصل منها ينبني عليه ما لا يحصى من الفروع، و ما كان كذلك فانه ينبغي أن يكون في غاية الاحكام، لا تجد اصلًا منها الا قد جائت بتقريره عديد من الآيات البينات فمن كان طالبًا لشيء مها فليطلبه في كتاب الله-ايضًا و لا يجوز أن يصح في هذا الباب -كذلك- من الاحاديث الا ما هو ذكر لما في كتاب الله بعبارات آخر. و ليس الحديث غير التواتر في هذا الباب بمغن شيئًا، فان الاصل -ككونه يجب أن يكون في غاية الاحكام- لا يثبته الا ما يعطي اليقين؛ و احاديث الاحاد لا تحصى الا الظنّ، فلا يجوز بنا شيء من القواعد على شيء منها و اما الحكمة - و هي مجموعة الاحكام التفصيلثة التي تهدي الى الصواب في التطبيق القواعد الكلية - ففي نشأتهاتفصيل لابد منه؛ فاليك ذلك.
لا شك إن احكام الله انما جائت لجلب المصالح و درء المفاسد. و قد تقرر لتحقيق كل نوع من هذه المقاصد بعض القواعد المذكورة، ثم جاءت في تحقيق الغاية المتعلقة بكل قاعدة في