و استحسن ان اختم الكلام بما يزداد به وجوب رعاية أصل (توفيق الاحتجاج بالاحاديث على النظر في أصولها من الكتاب) تأكدًا، فاقول:
لقد ادى اهمال الاصل المذكور و قبول الروايات بمجرد عدم الاطلاع على الضعف في اسانيدهها إلى ما لم يكن ينبغي ان يصير اليه من قد انعم الله عليه بهدي القرآن.
ففي نجال أخذ صور الحقائق و تلقي علم الاعتقاديات ادى ذلك الى اختلاط نور العلم بظلمة ظنون. و لم يقف الامر عند هذا الختلاط. و ان كان هذا في ذاته عظيمًا فان الماخوذات منطلق التطور؛ فلكذلك سرى الضعف الى طور التزكية و مجال اداء الاعمال؛ فجائت الملكات ضعيفة و الاعمال المعيبة. و بيان هذا بحاجة إلى تفصيل لا يليق بهذه الرسالة الموجزة. و انما يحدث هذا الامر لان الاهمال المذكور يستلزم في كثير من الاحيان قبول احاديث باطلة قد رويت باسانيد ظاهر الصحة؛ كما يؤدي كثيرًا الى وضع اشياء من الحق قد وردت باسانيد صحيح في غير مواضعها؛ الامر الذي لا ينجو منه من يغفل عن الاصول و يكتفي بالفروع.
و في مجال التصيير التزكية ادى ذلك إلى نشوء خصال افراطية عند بعض، و حصول صفات تفريطية عند آخرين؛ و كأين من امريء استبدل بالرجاء أمانيّ، و بالخوف أمنا، و بكذا كذا ثم ان الصفات المريضة و الخصال المعيبة لامفر لاصحابها من الوقوع في غير ما ينبغي من الاعمال؛ كما هو شأن أكثر أهل الاسلام اليوم و في عصور قد خلت.
و في مجال أداء الاعمال الصالحات أدي ذلك الى ترك أشياء من الخير، و القيام بأشياء من السوء، و وضع أشياء عن رفعتها، و رفع اشياء عن وضعتها. و لم يقف الامر عند ذلك؛ فان الاعمال أثارًا تعود على النفس؛ فينشأ ما ينشأ من الخصال، و يتقوى مانشاء منها؛ فان تكن الاعمال كما وصفنا، لا تكن الخصال على ما ينبغي.
هذا و اذا تجاوزنا العام إلى العلماء في اختصاصاتهم وجدنا من أثار ذلك الاهمال ما سنتلوا عليك:
فاما اهل التفسير فترى كثيرًا منهم اصبحوا -بعد ما وقعوا في ذلك الاهمال- يا ينزرون في آيات القرآن -في كثير منها- الا و وهم مشغولون بظنون جائتهم من روايات؛ مما جعلهم يانون، مكان تبين مراد الله من كلاماته. بما يضر كثيرًا و لا ينفع.
و اما اهل الحديث فتجد كثيرًا منهم استغنوا بما لديهم من الروايات عن كثير من علم الكتاب؛ اخذوا الفروع و ما لبس ثوب الفروع؛ و فرطوا في الاصول؛ فاصبح كل منهم -في احسن مالديه- بحرًا طويلًا عريضًا، و لكن بعمع بضعة اشبار؛ و لهم -بعد ذلك- شأن في جمع الفن إلى السمين.