هذا. و استحسن ان اتى -في توفيق القول بصحة الحديث على الرجوع الى كتاب الله و تأخير الاستدلال به عن النظر فيما يتعلق هو به من الاصول و القواعد الكلية و في اشياء آخر ينبغي في اعداد الموسوعة رعايتها -بمثالين-:
لا يخفى ان وقوع كل فعل، متوقف على مشيئة من الله تفعل، و سبب هو لفعل المشيئة مظهر، و جلي انه ما جعل سببًا لفعل الا ما يناسبه، فاذا كان الفعل الذي يطلب وقوعه شفاء من داء نفساني بحت -مثلًا- فان الدواء نفساني ليس الا. و ان كان شفاء من داء جسماني بحت، فان الدواء جسماني كذلك. فالشفاء من ضلال القلب -مثلًا- انما يكون باتباع هدى كتاب الله. و الشفاء من جرح جسماني غير مؤثر في النفس انما يتاتي بالخيط و نحوه. و اما الشفاء من داء نفساني مؤثر في الجسم او من داء جسماني مؤثر في النفس، فبدواء نفساني مشفوع بدواء مادي او بدواء مادي مشفوع بدواء نفساني، و مع ذلك يشفى الجسى بشفاء النفس، و قد يقتصر على احدهما، و مع ذلك يحصل الشفاء من الدائين فيقتصر على الدواء النفساني، مع ذلك يشفي الجسد بشفاء النفس، او يقتصر على الدواء الجسماني، و مع ذلك تشفى النفس بشفاء الجسد.
هذا. و واضح ان كون الشيء سببًا لفعل انما يعلم بالتجربة او بالتلقي عن الوحي. فان كان شيء مما يستشفي الناس به لم يرد بسببيته وحي، و لم يهد اليها تجربة تامة، فانه لا يجوز ان يعد من الاسباب و لو استتبع الاستشفاء به -في الظاهر- الشفاء في كثير من الاحسان، فانه قد يقع ان يقرن بشيء يُحسبُ سببًا شيء اخر هو السبب؛ مما يقتضي ان لا يكتفي في اعتقاد السببية باقل مما لا يدع مجالًا للريب من الاستقراء التام.
فاذا اهتدى طالب الشفاء -بهداية وحي او تجربة تامة- الى العلم بسببية شيء غير مادي للشفاء من داء نفساني مؤثر في الجسد او داء جسماني مؤثر في النفس، توجه التكليف إلى الاستشفاء به، من حيث انه يقوي النفس، و بتقوي النفس يتقوى الجسد -كذلك- فيأتي، من ثمة -ان شاءالله- الشفاء المطلوب، كله أو بعضه.
و اما ما لم يثبت كونه سببًا يوحي و لا تجربة تامة، فلا يجوز الاستشفاء به، و لو كان مما قد يؤدي الاستشفاء به إلى الشفاء (من حيث ان حساب كونه سببًا للشفاء يقوي النفس، و بتقويها يتقوي الجسد -كذلك- فيأتي الشفاء؛ فان المسبشفي، بذلك اما ان يكون قد بين له الامر اولًا؛ فان كان كذلك فان اصراره على اعتقاده اتخاذ للهوى الهًا، و ان لم يكن قد بين له فان امره اتباع للظن الذي لا يغني من الحق شيئًا؛ و لا يشك مؤمن في وجوب اجتناب هذا و لا ذاك، كائنة ما كانت الاثار.