و اما أصحاب كتب العقائد الذين وقاهم الله سيئات كلام المتكلمين -فجعل الاهمال المذكور كثيرًا منهم يضعون -في بعض الامور- موضع الاصول الفروع؛ فيبنون الاعتقاديات على غير اصولها. و جعلهم -كذلك- يخلطون- في مسائل بعضًا من اهم المسائل- علمًا و ظنًا و حقًا و باطلًا.
و قل مثل ذلك في أصحاب الكتب التزكية و الاخلاق.
و اما كتاب السير و التاريخ فحدث عنهم و لا حرج.
و اما الفقهاء فكان عليهم ان لا يقدموا على استنباط شيء الا بعد بذل الجهد في البحث عن القواعد الكلية المتعلقة بباب ذلك الشيء في اثناء آيات كتاب الله، و استفراغ الوسع في ادراك غايات تلك القواعد، ثم في استقراء ماجاء في كتاب الله -ايضًا- من الاحكام التفصيلية الحكمة التي تحقق الغايات المذكورة، الامر الذي يعلمون به طرق الوصول الى تحقيق تلك الغايات، فيتمكنون به من معرفة الحق من المرويات. و هو يماثل الحكمة القرآنية. عما يخالف ذلك، مفرقين بين الثابت من الحكمة و المتطور منها، ثم في الكشف عن غير الاحكام المروية من احكام تفصيلية لابد منها في تحقيق تلك الغايات في الظروف القائمة.
و لكنك تتصفح الكتب الفقهية فتجد كثيرًا من اولئك يفتتحون الباب من ابواب الفقه بالروايات؛ و يسيرون فيه مع الروايات؛ و يختمونه بالروايات؛ الا قليلًا، حين ينجر الكلام إلى ذكر شيء من الآيات ثم ان الاكتفاء بالنظر في الاسانيد يوقع -ولابد- في خلط الحق ببعض الباطل. هذا و قد بلغ العجز عن الخروج عن اسر المرويات بهم انك تجد الباحث منهم يتعب نفسه في محاولة اثبات ما يسميه اصلًا المرويات بهم انك تجد الباحث منهم يتعب نفسه في محاولة اثبات ما يسميه اصلًا من اصول الاسلام عظيمًا بحديث لا يبلغ درجة الصحة، و هناك في كتاب الله في اثبات ذلك آيات بينات! و كثيرًا ما تجدهم يأتون في الباب من ابواب الفقه الحلال و الحرام- بالحسن من الحديث فضلًا عن الضعيف و تراقبهم عن كثب فيجهم حذاقًا في الاستنباط من الاحاديث؛ حتى اذا جائت الايات القرآنية رأيت الرجال غير الرجال. و اما التفريق بين الثابت من الحكمة و المتطور فما اعز ان تعثر عليه!
هذا آخر ما كان عليّ أن أؤديه من النصيحة؛ هذا الذي يؤدي -ولاشك- إلى ان يحذف كثير من الممدود من الصحيح؛ فضلًا عن الحسن و غيره؛ الامر الذي يعظم على كثير من الناس؛ و لكنه ضالة المؤثرين على قلق الاوهام و الظنون طمأنينة العلم و اليقين.
فاما انا فادّيت ما كان عليّ؛ و اما أنتم -ايها الكرام- فيرجى منكم الاقبال و القبول؛ و من علامة ذلك ان لا يقدم على ذلك العظيم الا جماعة مؤتلفة من أكابر المفسرين و المحدثين و المؤرخين و الدعاة و الفقهاء. ومن الله التوفيق.