الصفحة 26 من 38

هذا. و لقد وجد رءس مريدي متاع الحياة الدنيا، من اول يوم، بغيتهم في الشرك في الالوهية بشطريها؛ اذ رأوا ان ارتكاس الناس في الشرك في شطر المستعانية يقطع صلتهم بالله؛ فيطوعهم لكل ما تملي عليهم الاهواء؛ و في شطر العبودية و المطاعية. كان اولئك هم الذين يتخذهم المشركون الهة، و في ذلك ما فيه من التمهيد للاتراف و لوازم الاستكبار. فجعلوا يقومون -في تيسير امر الشرك و مؤازرته و تعميمه- بكل ما هداهم كبيرهم ابليس اليه.

و لما رأوا انه من العسير على البشر الداب في توجيه الوجوه للملائكة و ارواح الاموات و الغائبين من العباد المتخذين من دون الله اولياء، و الاستمرار في تعليق القلوب بالطواغيت الحاكمين بما تهوى الأنفس، الا اذا كان هناك ما يذكرهم كل حين بهؤلاء و اولئك مما هو مشهود امروا بصنع التماثيل و غيرها من المذكرات.

فالتماثيل و ما اليها. اذن من اعظم اسباب الدعوة الى الشرك؛ و جلي ان الدعوة الى الشرك فوق الشرك؛ و اذا تذكرنا ان الشرك أعظم ما يرتكب البشر من الاثم، استبان لنا حكم صنع و اتخاذ تماثيل من يدعون من دون الله او يشرعون من الدين مالم يأذن به الله، و حكم الامر بهذا أو ذلك، و كذلك التماثيل التي يعلم أو يظن انها ستصبح اصنامًا يظل الناس لها عاكفين. و لان عذان كل اثم بقدر عظمة ذلك الاثم، فلا جرم ان الذين يصنعون التماثيل و ما اليها للعبادة -و هم عالمون بما يفعلون عامدون- اشد عذابًا من المرتكبين الشرك نفسه فقط.

هذا، و لا يخفى ان الامرين بصنع التماثيل و اتخاذها، يعدون عند الله من صانعي التماثيل؛ بل انهم عنده رؤوس صانعي التماثيل، كما أن الامر بتذبيح ابناء بني اسرائيل سجل الله عليه انه كان يذبح ابنائهم، بل اخبر انه عنده رأس الذين كانوا يذبحون؛ فلا يرد ان الطواغيت اكبر الناس اجرامًا، فكيف يكون صانعوا التماثيل اشد الناس عذابًا.

روى الشيخان عن ابن مسعود انه قال: سمعت النبي -صلى الله و بارك عليه- يقول: ان اشد الناس عذابًا عند الله المصورون).

و ريا، عنهما و غيرهما عن عائشة انها قالت: قدم رسول الله من سفر و قد سترت بقرام لي على سهوة لي فيه تماثيل، فلما راه رسول الله هتكه (و في لفظ لمسلم: فقال:(اخريه عني) ؛ و قال: (اشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله) ؛ قالت فجعلناه وسادة او وسادين (و في لفظ مسلم: قالت(فاخرته) فجعلته وسائد)، و في رواية لهما -و اللفظ للبخاري انها قالت: دخل على رسول الله و في البيت قرام فيه صور (و لفظ مسلم: الذين يشبهون بخلق الله) .

و رويا عنها الحديث بلفظ آخر هو: انها اشترت نمرقه فيها تصاوير؛ فلما راها رسول الله قام على الباب فلم يدخل؛ فعرفت في وجهه الكارهية؛ فقلت: يا رسول الله، اتوب الى الله و الى رسوله؛ ماذا اذنبت؟ فقال رسول الله: (ان اصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة؛ و يقال لهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت