الصفحة 10 من 21

وظيفة فكرية معرفية (Cognitive) بينما الإيحاء له وظيفة عاطفية (Affective) ويصدران عن عبارتين مختلفتين للشيء الواحد، فالشعر إيحائي و النثر تعييني. لكن هذا الفصل ليس مطلقا، ينقل كوهن عن فاليري (Paul Valery) :"أثران للتعبير بالكلام: نقل واقعة وإنتاج إحساس، الشعر تسوية أو نوع من النسبة لهاتين الوظيفتين"61.

إن الأساس النفسي هو الذي يقيم عليه كوهن وعي الشاعر بالعالم، فالكلام الشعري"يرتكز على التجربة الداخلية حيث الحساسية الداخلية هي التي تجمع التشابهات والتقابلات"62، و من هنا فإن العملية التفسيرية في الشعر ذاتية من خلال البحث عن الملاءمة الكامنة وراء التباينات، بينما في النثر تكون الملاءمة عقلية منطقية 63.

إن النظم يعتم وظيفة التعيين التي للنثر، وتنمو بالمقابل وظيفة الإيحاء، إذ لا تحيين للمعنى الكامن (الإيحائي) إلا بتجاوز التعيين كما يوضحه كوهن من خلال الشكل التالي 64 الذي يبرز عمل القافية في تلبيس المعنى بين سطرين شعريين هما:

كسر التوازي بين 1 و 2 و عثر عليه بين 1 و 3، إن التعيين d (Denotation) كسر التوازي ولكن الإيحاء c (Connotation) أوجده حيث أنه لم يتم التحيين a (Actualisation) للإيحاء إلا على حساب التعيين.

إن الدلالة الذاتية (الإيحاء) و الدلالة الموضوعية (التعيين) تزيح إحداهما الأخرى و لا يمكنهما اللقاء معا في الشعر، لأن دالا واحدا لا يمكنه استدعاء مدلولين يقصي أحدهما الآخر، لذلك يلجأ الشعر إلى الانزياح فيقطع علاقة الدال مع المفهوم (Notion) ليبدلها بالعاطفة (Emotion) 65.

ج- اتجاه البلاغة و الفلسفة:

في هذا العنوان يتم عرض نظرات هامة تجمل طرح هذا الاتجاه الذي يمثله بول ريكور وضمنه كتابه الاستعارة الحية (La Metaphore vive) و أهميته ترجع من جهة إلى ما أورده من وجهات نظر تخص الموضوع، ومن جهة ثانية مناقشته لطروحات البلاغيين والبلاغيين الجدد والشعريين، فالبلاغة الجديدة -في نظره- ليست مجرد صياغة أكثر تقنية للبلاغة الكلاسيكية، بل تستهدف إعطاء نظرية الصور مداها الكامل 66، فهي تحاول أن تبني للمجاز مفهوما فوق مفهوم الصورة 67، فيبقى صورة استبدالية على مستوى الكلمة -على الأقل- و لكنه يؤطر بواسطة مفهوم أشمل هو الانزياح الذي يشتغل على كل مستويات تمفصل الكلام (أصوات، كلمات، جمل، خطابات) ،"فيكون المجاز بهذا الاعتبار انزياحا محليا داخل جدول عام للانزياحات"68، وقبل عرض مفهوم الانزياح، يطرح ريكور جملة الإشكالات 69 التي تواجه القائلين به و هي على الخصوص:

-بالنسبة إلى ماذا يوجد انزياح؟ أين تكون درجة الصفر البلاغية حتى يستطاع التقدير و تحسس المسافة؟ مع العلم أن البلاغة القديمة ماتت -في نظره- لأنها لم تجب على هذا السؤال.

-ماذا نعني بالانزياح؟ الاستعارة الجسدية للصورة و الاستعارة الفضائية للانزياح، هل توضح إحداهما الأخرى؟ ماذا تقولان معا مقترنتين؟

-ما هي مواصفات الانزياح و الصورة داخل الخطاب البلاغي؟ و بظهور تقليص الانزياح، ماذا يهم في الصورة هل الانزياح أم تقليصه؟

-بما أن تحليل المدلول تدحرج إلى المعانم (وحدات تحت لغوية) كيف للمعنى على مستوى الخطاب أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت