الصفحة 8 من 21

تماما"44."

-الوزن و الإيقاع: و يهدفان معا إلى تحقيق التجانس و تكثيف التشابهات في مقابل التباينات الدلالية، فبينما يتجه النثر إلى تفادي هذا التماثل بالتنويع في الجمل صيغا و تراكيب، يتجه الشعر نحو قطب التشابهات، و لكن دون أن يدرك -كما يصر كوهن على توكيده- كلاهما غرضه، فلا النثر يصل إلى التباينات الشاملة، و لا الشعر إلى التشابه الكامل ومن هنا لا يكون الشعر مختلفا عن النثر (non-prose) و لكنه يقابل النثر (anti-prose) .

إن الشعر متوالية من التشابهات الصوتية المتعالقة مع خط التباينات الدلالية، فالصوت في الشعر عامل غموض و لبس (ambiguite) يهدف إلى إعاقة اشتغال الأداة اللسانية"و كأنه أراد أن يكون مختلطا ما كان يجب أن يكون مميزا"45.

هذه الأدوات لا تمنع الشعر من أداء وظيفته الاتصالية، لأن الشاعر يريد أن يُفهم ولكن بطريقة خاصة مفارقة للفهم الواضح الذي للرسالة العادية وبقاء هذه الوظيفة معناه أن الشعر كما يتضمن الدورية التي تضمنها التشابهات الصوتية يتضمن الخطية التي تضمنها المفهومية الدلالية (Intelligibilite) -"فالرسالة الشعرية هي في الوقت نفسه شعر و نثر"46.

*في المستوى الدلالي:

من خلال الإسناد و التحديد و الوصل، يحاول كوهن ضبط الانزياح عن القواعد التي تحكم هذه العمليات التركيبية و النتائج المترتبة عن الظاهرة.

-الإسناد: و هو عملية التركيب داخل الجملة، و تحكمها ضوابط تتدرج من الفونيم إلى الألفاظ إلى الجمل ثم الربط بين الجمل، حيث تتنامى حرية التركيب متوازية مع هذا التدرج، غير أن هذه الحرية مشروطة بالمفهومية في تكوين العلاقات بين المدلولات (شكل المحتوى) و النحو هو الذي يضبط قواعد هذا التأليف ويصنف أقسام الكلام بما يسمح بمعرفة ما يأتلف منها و ما لا يأتلف.

والقاعدة المرعية في عملية الإسناد هي أن كل متتالية متفقة مع النموذج المسموح به نحويا هي من حيث الشكل صحيحة، ولكن شرط المفهومية الذي طرحه كوهن أو اختبار الصدق كما طرحه جاكبسون وضع قاعدة تبعية هي الملاءمة: حين يكون المسند أحد المحمولات الممكنة للمسند إليه أو الموضوع، ونقيضه عدم الملاءمة: حين يكون المسند ليس محمولا ممكنا للموضوع.

وكما طرح تشومسكي مفهوم درجات الصحة النحوية قاعدة للتركيب بين الدوال، طرح كوهن مفهوم درجات الملاءمة و منه أن جملة تخترق قاعدة عامة جدا هي"أقل نحوية من جملة تخترق قاعدة أكثر خصوصية"47، ويريد كوهن القول بأن الشعر أقل نحوية من النثر، إذ الأخير يراعي الدرجة الأكثر خصوصية للنحوية التي تمثلها الملاءمة الدلالية، ولكي يمارس الشعر هذا الانزياح يخرق قانون الملاءمة و يؤلف بين وحدات متنافرة، وهنا يطرح كوهن مفهومه الهام"تقليص الانزياح"وجها آخر إيجابيا لعملية الانزياح، فعدم الملاءمة مرحلة أولى فقط للخرق و هو انزياح عن قراءة حرفية للمتتالية، و يكون تقليص الانزياح بتغيير المعنى أي بانزياح ثان بواسطة الاستعارة التي هي عنده عملية ثابتة مع كل انزياح ليتحقق بها تقليصه.

و العمليتان متكاملتان بحدوثهما على محورين متقابلين، إذ يحدث عدم الملاءمة على محور التركيب (Axe Syntagmatique) بينما يكون تقليص الانزياح -أي الاستعارة- على محور الاستبدال (Axe Paradigmatique) وهذا التغيير في المعنى مرتبط بعلاقة التشابه في الاستعارة والمجاورة في الكناية و علاقة الجزء بالكل في المجاز 48.

ويرى كوهن أن عدم الملاءمة له درجات -كما سبقت الإشارة- اعتبارا من قابلية المدلول للتجزئة على غرار الدال، فيمكن بالتالي تحليله إلى مجموعة من المقومات هي المعانم (Les semes) و يمكن تتبع عدم الملاءمة في هذه المستويات الدنيا فتكون بالسمات المميزة (Les Traits) و ينتج عن هذا التصور ما أسماه كوهن"انزياحا من الدرجة الأولى"49 مثل الوصف بالألوان.

-التحديد: القاعدة في هذا المستوى أن تؤدي المحددات دورها: النعت، الإشارة، الزمان والمكان، أسماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت