الصفحة 14 من 21

إن الذي يميز مفهوم الانزياح عند سبتزر هو مدخله لدراسة النص الأدبي و افتراضه المسبق أن فهم البنية و المجموع ينبغي أن يكون واحدا و ينطلق من حدث شمولي هو"الحدس المتكامل"، فهذا المنظور للانزياح يقيم توحدا بين الذات و الموضوع، بين القائل و الخاصية الأسلوبية، فمن خلال الانزياح المحلي الجزئي (شكل لافت للنظر) يتم الوصول إلى المركز النفسي، وهي منهجية كان سبتزر و من معه يشعرون بذاتيتها، و بعدم تبين مراحلها"إن القراءة تتحول في الغالب إلى التقاط مباشر كلي (Saisie immediate globalisante) تحصل عنه صورة الشيء في نفس الملتقط بدون أن تكون مراتب الإدراك واضحة"95، إن منهجية سبتزر لا تخفي اعتمادها على القارئ وفطنته و تعاطفه مع العمل الأدبي، إن هذا المنهج وإن تحرك من مبادئ واضحة"فإن هذه المبادئ غير قادرة على توليد البعد الإجرائي التقني الذي يخلص المقاربة من نسبية الذات"96.

الاتجاه الأسلوبي البنيوي: يمكن اعتبار الانزياح من المنظور البنيوي مقابلا تماما للاتجاه الأسلوبي النفسي انطلاقا من الملاحظات المنهجية التالية:

-إعطاء تعريف عام للغة الأدبية يحل فيه الأسلوب الوظيفي محل أسلوب الكاتب و ظواهر اللغة محل أحداث الكلام.

-تفادي التفسير المتعالي للنص، بإبعاد كل خبرة خارجية عن النص، فاستبعدت النواة النفسية (سبتزر) و النواة الاجتماعية (جولدمان) من مجال البحث و لا تفسر اللغة الأدبية إلا داخل اللغة.

-تناول الوسائل الأسلوبية باعتبارها إجراءات متعالقة و ليست معزولة.

-تناول مفهوم الانزياح ذاته كعمل داخل اللغة يتم بالنسبة إلى قاعدة.

وبحثا عن تحديد صلب لهذه القاعدة تتعدد وجهات النظر إلى الانزياح بين البنيويين:

اعتبار القاعدة خارجية:

هناك من جعل القاعدة هي الاستعمال السليم و هو الاستعمال المشترك و العام وبتعبير البلاغيين الكلاسيكيين الكلام الطبيعي و قد سبق تحديده.

واتجاه يرى أن اللغة الأدبية هي انزياح (أو انتهاك لقانون) عن النثر، و درجة الصفر البلاغية تكون في النثر العلمي الذي يتفادى الغرض التحسيني.

بينما يرى آخرون أن الانزياح في اللغة الأدبية يتم في مقابل قواعد النحو و الصرف، أي الانزياح عن الكلام المقبول.

اعتبار القاعدة داخلية:

يرى بعض البنيويين أن الانزياح يجب أن يتم بالنسبة إلى معيار داخل سياق العمل الذي وردت فيه، لأنه يستحيل وضع معيار يصلح لكل نص، ويمثل هذا الاتجاه مايكل ريفاتير خصوصا.

يقوم تعريف الأسلوب عند ريفاتير على اعتبار المنظور تواصلي، من خلال فهم خاص للعلاقة بين المرسل والمتلقي، فالأسلوب هو"إبراز يفرض على انتباه القارئ بعض عناصر السلسلة التعبيرية"97 مما يعني أن الأسلوب ليس واقعا بالكلية على النص و لكنه موجود في سياق تفاعل القارئ مع النص.

إن أهمية دور المتلقي ليست مفروضة من خارج بقدر ما هي اختيار استراتيجي للمرسل الذي يريد فرض طريقة معينة لتفكيك رسالته من قبل القارئ، و لذا الرسالة في الجزء الأهم مرتبطة بالوهم المتولد لدى القارئ و هو يلتقط المؤشرات الأسلوبية التي سنّن المرسل بها رسالته، وبهذا الاعتبار يستبعد ريفاتير التحليل اللساني الذي لن يفرق في عمله بين المؤشر الأسلوبي و الواقعة اللسانية البحتة، زيادة على أن المعيار اللساني غير قار و متباين من مدرسة إلى أخرى ومن حقبة إلى أخرى لذلك اقترح ريفاتير فكرة السياق (الداخلي) قاعدة يتم الانزياح بالنسبة إليها.

توفر السلسلة التواصلية: مرسل ـ رسالة ـ متلقي، أرضية يبني عليها ريفاتير نظرته إلى خصوصية الرسالة الأدبية، إذ لكل عنصر منها استراتيجيته: فالمرسل أو المسنن ليس لديه إمكانات المتكلم (إمكانات إضافية للتأثير) فيلجأ إلى الإلحاح بإجراءات أسلوبية يوفر لها حدا أقصى من الفعالية، ويكون وعيه مزدوجا، من ناحية بعملية التسنين ومن أخرى بطريقة التفكيك نفسها المحتملة و"هذه المراقبة هي ما يميز الكتابة التعبيرية عن الكتابة العادية"98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت