الصفحة 15 من 21

ومن ناحية الرسالة التي تستمر ماديا من خلال الكتابة، تبقى النماذج المعروضة للتفكيك، لكن المرجعية اللسانية للمفكك غير ثابتة، و في هذه النقطة يفترق اللساني عن الأسلوبي، فالأول يبحث عن بناء وضع سالف للغة و الثاني يعيد بناء الأثر الذي كان لأسلوب النص زمن كتابته.

أما من ناحية المتلقي، فهو هدف مختار بوعي من قبل المسنن، و الإجراء الأسلوبي متعلق بإدراكه له وإلا تشوه النص، فرد فعل القارئ يصبح أداة للتحليل رغم ذاتيتها و لكن ريفاتير يعد لذلك محاذيره من خلال فرضية القارئ النموذجي.

ولكن ما الذي يميز قراءة الحدس عند سبتزر عن قراءة مفكك السنن عند ريفاتير؟ لا يمكن مماثلة القراءتين من عدة وجوه:

أولا: ينطلق سبتزر من مسلمة قبلية هي أن الواقعة الأسلوبية صورة من الواقعة النفسية، وتتأسس مقاربته للنص تبعا لذلك على ملاحظة أول جزئية يفحص من خلالها الجزئيات التي تسترعي الانتباه بعد ذلك، بينما يرفض ريفاتير أية فرضية قبلية، و ينتظر أن تفرض عليه الدلائل المجتمعة تأويلا يأخذها جميعا بعين الاعتبار، ثم إن القارئ النموذجي عنده ليس قارئا واحدا ولكنه مجموع قراءات.

ثانيا: إذا كان القارئ النموذجي يوحي بالذاتية مثلما يوحي الحدس بذلك عند سبتزر، فإن ريفاتير يؤكد أن ردود أفعال القراء محكومة بإجراءات موضوعية توجد في النص، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن أحكام القراء تطرح جانبا و لا يعتد بها إلا كمنبهات على وجود مؤشرات انزاح فيها التعبير عن العادة.

ثالثا: مقاربة ريفاتير تبدو أكثر استغراقا باعتبار تعدد القراءات، و في الوقت نفسه قد تهمل مقاربة سبتزر وقائع كان يمكن أن تثير الانتباه، و لكن لكونها لا تنسجم مع تصوره المسبق فإنها تهمل وبذلك"لم تعد المراقبة على النص و لكن انسجام الحكم المسبق مع الانزياحات الجزئية"99.

يريد ريفاتير التأكيد من خلال هذا التمايز على موضوعية منهجه دون أن ينفي ضرورة التأويل و لكنه تأويل يبتعد إلى أقصى حد عن الذاتية و التحكمية وينبني على مجموع الوقائع المميزة الواردة في النص"و ليس على نص مصفى بواسطة ذاتية القارئ أو مختزل إلى ما ينسجم في النص مع ذوقه أو فلسفته"100.

تقوم نظرة ريفاتير إلى الانزياح باعتباره إبرازا (Mise en relief) على ثلاثة معايير، تم تناول إحداها في معرض المقارنة بين منهجه و منهج سبتزر، و هو معيار القارئ النموذجي، والمعياران الباقيان هما السياق والتضافر الأسلوبي، وتمارس هذه المعايير رقابة متبادلة فيصحح بعضها بعضا، إذ إن معيار القارئ النموذجي مهما سعى إلى الموضوعية فهو محكوم بالوعي اللساني لكل قارئ، زيادة عن تنوعهم و اختلاف اتجاهاتهم و ميلهم إلى التفتيت في الملاحظة، و لذلك فإنه غالبا ما ترتكب أخطاء بالإضافة أو الحذف، و لمراقبة هذه الثغرات طرح ريفاتير معيار السياق، حتى يكون كل ملمح أسلوبي يلاحظه القارئ مرتبطا بخلفية دائمة، كما يتمّ تفادي خطأ الإضافة أو الحذف 101. ولا شك أن لهذا المعيار أهمية بالغة إذا قورن بمعيار قار كمعيار اللسان الذي يعدد ريفاتير عيوبه لإبراز إيجابيات السياق:

فانطلاقا من المعيار اللساني، يمكن أن يعد أسلوبا كل ما يفضل من السلسلة المنطوقة بعد حذف ما أمكن وصفه بالتحليل اللساني 102، و هذا غير صحيح، فالمادة البانية المحايدة في سياق قد تشتغل أسلوبيا في سياق آخر، و هو ما لا يفسره المعيار الثابت.

إن المعيار اللساني غير ملائم لأن القراء (و كذا المؤلفين) لا يقيمون أحكامهم على معيار مثالي و لكن على تصور شخصي لما هو معيار"وحتى لو كان المعيار ضروريا تأويليا، فإنه غير قابل للاستخدام استكشافيا"103.

وبهذا تبرز فكرة السياق كمعيار مثمر، إذ إنه يقدم الإجابة الوافية عما طرح من إشكالات، فيفهم لماذا يكون إجراء أسلوبيا تارة و غير ذلك تارة أخرى، و لماذا يستعيد إجراء مستهلك (use) قيمته الأسلوبية، كما ينسجم هذا المعيار مع الطبيعة الحركية للسنن اللساني و اختلاف مرجعيات القراء، وخلال القراءة يتحدد السياق الراهن بالقراءة السابقة، فهو يلاحق القارئ، و يظهر دورا مزدوجا، فهو من ناحية ينتج الإجراء الأسلوبي بالنسبة إليه، و باتحادهما قد يكونان سياقا لإجراء جديد، و هو ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت