الصفحة 5 من 21

ذلك أن البلاغة كانت هي علم الخطاب الشفهي، نظرا للوظيفة الاجتماعية التي كان يؤديها الخطباء في الديمقراطية اليونانية، ولكنها تراجعت لتصبح علم تحسين لغوي، فبعد أن كانت علما للنص أصبحت علما للكلمة، بل إن المتأخرين لم يروا فيها إلا قائمة من الوسائل التزيينية، و مع ذلك فقد اتضح كيف أن هذه البلاغة قدمت الأساس الذي ميز اللغة الأدبية عن اللغة العادية من خلال الصورة كأداة، وزيادة على ذلك فإن البلاغة قبل انحسارها -حين كانت علما للخطاب- وفرت أسسا هامة من خلال تناولها لثقافة المرسل (الخطيب) و موقف المتلقي أو السامع (الإقناع) ، و هي بهذا التناول للخطاب والمرسل و المتلقي قدمت أفقا لما تصبو إليه الدراسات الأدبية المعاصرة كالتداولية مما يعيد البلاغة إلى الميدان بكل أبعادها.

إن البلاغة الكلاسيكية -ذات الجهد التصنيفي- تمد الدراسات المنصبة على اللغة الأدبية بآليات متنوعة لمعالجة المستويات المختلفة، كما توفر المنظور لرؤية ما هو أدبي و فهمه وفق نموذج موروث مبني على أساسين:

-وصف اللغة الأدبية من داخل اللغة نفسها، فقد طرحت البلاغة فكرة مقابلة اللغة الأدبية باللغة العادية البسيطة حيث تشتركان في القاعدة النحوية و الصرفية و تفترقان من خلال عمليات تعديل ذي غاية جمالية (زيادة، حذف، تحويل) .

-طرح مسألة الانزياح كنتيجة لمقابلة اللغة البلاغية باللغة العادية (القاعدية أو النمطية) فمن نموذج الصورة اللفظي انسحب مفهوم الانزياح ليسم اللغة الأدبية بالابتعاد عن القاعدة المعيار (المشتركة) وقدمت البلاغة بعض أدواته انطلاقا من مقابلة الكلام المجازي بالكلام البسيط (الطبيعي) .

هذا المنظور سيشكل القاسم المشترك لكثير من نظريات الشعر العاصرة، وسيتبين بتناولها مفهوم الانزياح لديها، و أثر الأسس البلاغية فيها و الأهم من ذلك أن مفهوم الانزياح هو الواسطة التي شدت البلاغة الكلاسيكية إلى النظريات الحديثة و المعاصرة ثم لعله من أهم العوامل في بعثها الحالي من خلال البلاغة الجديدة و نظريات علم النص.

والبداية تكون باتجاهات حافظت على النزعة البلاغية و بحوثها وهي:

-الاتجاه اللساني البلاغي، و يمثله مولينو و تامين (JEAN MOLINO et JOELLE GARDES TAMINE) في كتابهما"المدخل إلى تحليل الشعر"22 (Introduction a l'analyse de la poesie)

-اتجاه الشعرية البلاغية و يمثله جون كوهن (JEAN COHEN) خاصة من خلال مؤلفه"بنية اللغة الشعرية"23 (Structure du langage poetique)

-اتجاه البلاغة و الفلسفة، و يمثله بول ريكور (PAUL RICOEUR) من خلال كتابه"الاستعارة الحية"24 (La metaphore vive) .

الاتجاهات البلاغية الجديدة:

أ-الاتجاه اللساني البلاغي:

ينطلق المدخل من التمييز بين لغة الشعر و اللغة الجارية (Langage Courant / langage poetique) و هذا التمييز ينبني على مصادرة نشوئية ترى أن الشعر"ينشأ من تطبيق الإيقاع على الكلام"25 مما يعني"أن الشعر لا يختلط بالكلام و لا يتعايش مع الكلام و ليس مظهرا أو وظيفة خاصة للكلام .. إنه الكلام مضافا إليه شيء آخر ليس لسانيا بالضرورة .. إن الشعر ليس بناء، إنه ثمرة بناء"26 كما ينبني هذا التمييز على الترميز، فالصور المختلفة تدفع الانزياح عن اللغة الجارية إلى الذروة بهدف تشكيل عالم مواز للعالم الحقيقي، عالم ناشئ عن كلام ثان يضاعف الكلام المشترك 27. و خارج الإلزام الوزني و الإيقاعي تتميز لغة الشعر عن اللغة الجارية بمعجمها خاصة و-جزئيا- بصيغها و تراكيبها 28.

من هذا التمييز ينشأ تصور خاص للأسلوب باعتباره نتيجة اختيار و إقصاءات بين أساليب ممكنة مختلفة، هذا الاختيار الواعي بقيمة الكلمات هو سمة مميزة للشعر عن غيره.

وحافظ المدخل -كما فعلت البلاغة القديمة- على تراتب الأساليب حتى عدّ الشعراء فئة خاصة لها لغتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت