فهرس الكتاب
وقد تتبعتُ موقف كلٍّ من الزمخشريّ وأبي حيّان الأندلسيّ في أساليب القرآن الكريم، في مسألة إعراب المصدر المؤوّل من (أنْ والفعل المضارع) ظرف زمانٍ بعد (إلاّ) ، فتبيّن لي أنّ الزمخشريّ ذهب إلى هذا القول في أكثرَ من موضعٍ في القرآن الكريم من ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا} (النساء:92) ، قال الزمخشريّ: (( فإن قلت: بم تَعلّق(أن يصّدقوا) ، وما محلّه؟ قلتُ: تعلّق بعليه أو بمُسَلَّمَةٍ، كأنْ قيل: وتجب عليه الدية، أو يسلّمُها إلاّ حين يتصدّقوا، ومحلّها النّصب على الظرف، بتقدير حذف الزمان، كقولهم: اجلسْ مادام زيدٌ جالسًا، ويجوز أن يكون حالًا من أهله، بمعنى: إلاّ متصدّقين )) [1] .
وقد ردّ أبو حيّان على الزمخشريّ إعرابه للمصدر المؤوّل ظرف زمان في هذه الآية، فقال: (( وكلا التخريجين خطأٌ، أمّا جعْلُ(أن) وما بعدها ظرف زمانٍ فلا يجوز، نصّ النّحويُّون على ذلك, وأنّه ممّا انفردت به (ما) المصدريّة، ومنعوا أن تقول: (أجيئك أن يصيح الدّيك) ، يريد: وقت صياح الدّيك، وأمّا أنْ ينسبك منها مصدرٌ فيكون في موضع الحال، فَنَصُّوا- أيضًا - على أنّ ذلك لا يجوز، قال سيبويه في قول العرب: (أنت الرجل أن تُنازل، أو أن تُخاصم) في معنى: أنت الرجل نزالًا وخصومةً، إنّ انتصابَ هذا انتصابُ المفعول من أجله؛ لأنّ المستقبل لا يكون حالًا، فعلى هذا الذي قرّرناه يكون كونه استثناءً منقطعًا هو الصواب )) [2] .
كذلك ذهب الزمخشريّ في قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ} (الإنسان: 30) إلى أنّ (أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) منصوبٌ على الظرفيّة، وأصله: إلاّ وقت
(1) ينظر: الكشاف 1/ 290.
(2) ينظر: البحر المحيط 3/ 336، وانظر: الدر المصون 4/ 71.