فهرس الكتاب
المذهب الخامس: ذهب تقيّ الدين السُّبكيّ إلى جواز أن يُستثنى بأداةٍ واحدةٍ - دون عطفٍ - شيئان على مذهبه، لا على مذهب الزمخشريّ، فقد أعرب (أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) حالًا، ويكون المعنى: مصحوبين، وأعرب (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) حالًا بعد حالٍ والعامل فيهما الفعل المفرَّغ في (لا تَدْخُلُوا) .
ومذهب السُّبكيّ يتلخّص في: أنّ الاستثناء المفرّغ من جهة الصناعة يعمل ما قبله فيما بعده، فالمستثنى في الحقيقة عنده: المصدر المتعلِّق بالحالين، فكأنّه قال: لا تدخلوا في حالٍ من الأحوال إلاّ دخولًا مصحوبين فيه بالإذن، غير ناظرين إناه.
وعلى مذهب الزمخشريّ كما يراهُ السُّبكيُّ يكون المستثنى في الحقيقة: هو المصدر المتعلِّق بالظرف والحال، فكأنّ الزمخشريّ قال: لا تدخلوا إلاّ دخولًا وقت أن يُؤْدَن لكم، غير ناظرين إناه [1] .
وقد وضّح تقيّ الدين السُّبكيّ - في رسالةٍ صغيرةٍ له في المسألة نفسها - مذهبه وطريقته في الاستثناء بأداةٍ واحدةٍ - دون عطفٍ - شيئين، وفي الوقت نفسه بيّن أنّ هذا مراد الزمخشريّ، فقال: (( هذا الذي قاله الشيخ صحيحٌ بالنسبة إلى ظاهر كلام الزمخشريّ، ولكن الاستثناء المفرَّغ يتوجّه النفي فيه على كل ما يحتمله المصدر, ويخرج المستثنى , وقد يكون مقيدًا بقيودٍ كثيرةٍ كلِّها متعلّقة بالمستثنى، وهو في الحقيقة فردٌ من أفراد المصدر المنفيّ, فلم يقع بعد(إلاّ) إلاّ المستثنى، فلا يُنافي ما قاله الجمهور, فقوله: لا تدخلوا بُيوت النّبيّ شَمِل النهيُ جميع أفراد الدخول بأوقاته , وأحواله , وسائر مفاعيله التي يتعدى إليها الفعل، وقوله: (إلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) حقيقته: استثناءُ دخولٍ موصوفٍ بأنّه مأذونٌ فيه غير ناظرٍ فاعله, فالمستثنى واحدٌ مقيّدٌ بقيدين ولم يقع بعد (إلاّ) إلاّ المستثنى.
(1) ينظر: النّصّ المحقّق ص: 45، 46.