الصفحة 35 من 66

فلا يَرِدُ عليه ما قاله الشيخ ولا قول ابن مالكٍ: لا يستثنى بأداةٍ واحدةٍ - دون عطفٍ - شيئان.

وظاهر كلام النّحاة أنّه لا يجوز ذلك، فليس ما نحن فيه في شيءٍ من ذلك، وإنّما هو استثناءٌ لأمرٍ مقيّدٍ بقيودٍ، وكذلك لو قلت: (ما قام زيدٌ إلاّ يومَ الجمعة راكبًا في داره أمامَ الأمير) ، كان الاستثناء لقيامٍ موصوفٍ بتلك الصفات، فالمستثنى مصدرٌ مقيّدٌ، ولا تقول: إنّ المستثنى زمانٌ, ومكانٌ, وحالٌ, وإنّ كلّ واحدٍ راجعٌ إلى مستثنىً منه من جنسه, فيُقدّر في قولنا (ما قام زيدٌ إلاّ يوم الجمعة) : (ما قام في يومٍ إلاّ يوم الجمعة) , وهذا التقدير محتمَلٌ لكنّه يلزم منه التخصيص ويترتب عليه الإيرادُ المذكور, واللفظ عامٌّ فلا يُخصّ، بل يُجعل النفي للقيام زمانًا ومكانًا وحالًا وغير ذلك, ثم يخرج منه ما دلّ عليه الاستثناءُ بجميع قيوده وصفاته )) [1] .

وقفاتٌ: لنا في القضايا السابقة الذكر التي هي موضوع الرسالة، وهي محلُّ الاختلاف بين الزمخشريّ وأبي حيّان الأندلسيّ ثلاثُ وقفاتٍ:

الوقفة الأولى: أكّد الزمخشريُّ مذهبه في جواز أن يُستثنى بأداةٍ واحدةٍ - دون عطفٍ - شيئان في قوله تعالى: {لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا، مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا} (الأحزاب:60، 61) . فقال: (( إلاّ زمنًا(قَلِيلًا) ريثما يرتحلون ويلتقطون أنفسهم وعيالاتهم فسمّى ذلك إغراءً، وهو التحريش على سبيل المجاز، (مَلْعُونِينَ) نصْبٌ على الشتم أو الحال، أي: لا يجاورونك إلاّ ملعونين، دخل حرف الاستثناء على الظرف والحال معًا، كما مرّ في قوله: إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى

(1) مابين علامتيّ التنصيص نقلته من رسالةٍ لتقيّ الدين السُّبكيّ في المسألة نفسها بعنوان: (مسألة في الاستثناء نحويّة في آيةٍ كريمةٍ) ، منها نسخةٌ في مكتبة عارف حكمت في ورقةٍ ونصف، ضمن المجموع 272/ 80، حقّقها د. جمال مخيمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت